في نيو إنجلاند بالقرن السابع عشر، يجري نفي أسرة بروتستانتية متشددة من مستعمرتها بسبب خلاف ديني، فتستقر وحيدة قرب غابة كثيفة على أطراف العالم المأهول. تبدأ حياتهم الجديدة بحثاً عن الخلاص الروحي، لكن اختفاء طفلهم الرضيع أثناء لعب أخته الكبرى توماسين معه يشق أول صدع في هذا البيت الصغير. منذ تلك اللحظة، لا يعود الخطر خارجياً فقط، بل يتسلل إلى داخل الأسرة نفسها على هيئة شكوك وخوف متبادل واتهامات صامتة.
مع الجوع والعزلة، تتحول الغابة المجاورة إلى كيان حي يراقبهم، ويتحول الماعز الأسود “بلاك فيليب” إلى رمز لشيء شرير لا يُسمى. وفي النهاية، تجد توماسين نفسها مطرودة من عالم البشر قبل أن تكون قد أخطأت، فتواجه خياراً قاسياً: إما أن تموت بريئة في عالم يراها شيطاناً، أو أن تصبح ما يتهمها به الجميع… ساحرة.
رعب يولد من الإيمان
فيلم The Witch للمخرج روبرت إيغيرز لا يقدم رعباً قائماً على المفاجآت أو الصدمات البصرية، بل يقدم رعباً يولد من داخل منظومة الإيمان نفسها. الخوف هنا ليس من وحش أو شبح، بل من فكرة الشيطان، ومن الاعتقاد بأن كل خطأ هو علامة غضب إلهي، وكل مرض مسّ شيطاني، وكل امرأة مختلفة باب للشر. الفيلم لا يحكي قصة ساحرة بقدر ما يحكي قصة مجتمع صغير يصنع ساحرته بيديه، حين تتحول العقيدة إلى محكمة تفتيش داخل كوخ خشبي.
تُقدم توماسين منذ البداية بوصفها عنصراً مريباً: فتاة مراهقة على أعتاب النضج الجسدي، تحمل عبء خطيئة لم ترتكبها هي، لكنها صارت مرتبطة باسمها، وهو اختفاء الرضيع. ومع تصاعد المآسي، يصبح من الأسهل على الأسرة أن تجد شيطاناً خارجياً من أن تواجه هشاشتها الداخلية. هكذا تتحول البراءة إلى شبهة، والاختلاف إلى دليل إدانة، والفتاة إلى مشروع شيطان.
الماورائيات بين الحقيقة والهستيريا
يستخدم الفيلم عناصر ماورائية صريحة داخل عالمه السردي: امرأة عجوز في الغابة تمتص دم الأطفال، شيطان يظهر في هيئة ماعز، طقس ليلي لساحرات يطفن في الهواء. ومع ذلك، لا يقدم الفيلم هذه العناصر بوصفها حقيقة مطلقة، بل يتركها معلقة بين احتمالين متوازيين: إما أن الشر موجود فعلًا في الغابة، أو أن الأسرة، بفعل الجوع والعزلة والخوف الديني، صنعت صورته بنفسها. هذا التردد هو سر قوة الفيلم، إذ يضع المشاهد في المأزق نفسه الذي تعيشه الشخصيات: لا يقين، فقط خوف يتضخم حتى يصير واقعاً.
في هذا المعنى، لا يكون الشيطان في The Witch مجرد كائن خارق، بل فكرة ثقافية تتحول إلى قوة مادية حين يؤمن بها الجميع. إننا أمام رعب ذهني قبل أن يكون بصرياً، رعب ينشأ من اللغة الدينية ذاتها حين تُستخدم لتفسير كل ما هو مجهول.
الساحرة كنتاج اجتماعي
حين ننظر إلى تاريخ محاكمات الساحرات في أوروبا وأمريكا، نجد أن معظم المتهمات لم يكنّ ساحرات فعلًا، بل نساء مختلفات، منعزلات، أو ضعيفات في مجتمعات خائفة. الفيلم يعيد تمثيل هذه الآلية بدقة نفسية عالية. توماسين لا تختار أن تكون ساحرة في البداية، بل تُدفع إلى هذا الدور بعد أن سُلبت منها إنسانيتها. المجتمع يصنع الأسطورة أولًا، ثم يطالبها أن تجسدها.
السؤال الذي يطرحه الفيلم ليس: هل توجد ساحرات؟ بل: كيف يولد مفهوم الساحرة؟ وهل الشيطان هو من يخلقها، أم الخوف هو من يفعل؟
استقبال الفيلم ومعناه الثقافي
انقسم الجمهور حول الفيلم بين من رآه بطيئاً وغامضاً، ومن اعتبره تجربة فنية عميقة. أما النقاد فقد احتفوا به بوصفه إحياء ناضجاً للرعب الجاد، وأُدرج في قوائم أفضل أفلام الرعب في القرن الحادي والعشرين. سبب هذا الانقسام يعود إلى أن الفيلم لا يقدّم ترفيهاً سهل الهضم، بل تجربة نفسية خانقة تتطلب صبراً وتأملاً.
وختاماً ، ليس فيلم The Witch عن ساحرة، بل عن اللحظة التي تُخلق فيها الساحرة داخل عقل الجماعة. إنه فيلم عن الخوف حين يتحول إلى عقيدة، وعن العقيدة حين تتحول إلى رعب، وعن البراءة حين تُطرد من عالم البشر فتبحث لها عن مأوى في الأسطورة ، هو عمل لا يقول لنا إن الشيطان موجود، بل يسألنا: ماذا لو كان أخطر ما في الشيطان هو إيماننا المطلق به ؟
0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .