![]() |
تأليف : كمال غزال |
في زقاقٍ خافت الضوء من أزقة بغداد القديمة، يقبع محلٌ عتيق لا يرتاده الكثيرون، تحيط به رائحة الزمن الغابر، وتفوح منه هالة لا تُرى لكنها تُحس. هناك، وسط ركام الكتب المنسية، وُجد كتاب بلا عنوان، مغلفٌ بجلد أسود محروق الأطراف، تتوسطه عين محفورة غائرة كأنها تراقب من كل الأبعاد.
إياد، صحفي عراقي مهووس بالمحظور، ذو فضولٍ لا يشبع. يلهث خلف الحكايات التي لم يُكتب لها خاتمة، وتستفزه همسات التحذير أكثر مما تردعه. حين لمح الكتاب، همس له البائع العجوز: "إن اقتنيته، فاقرأ كل ما شئت، لكن إيّاك والباب الرابع."
لم يكن التحذير سوى فتيلٍ لاشتعال شغفه. حمل إياد الكتاب إلى شقته في حي الكرادة، حيث الجدران شاهدة على عزلةٍ طالت، والصمت صار رفيقاً دائماً.
فتح إياد الكتاب على ضوء خافت، ووجد أبوابه ، الأول كان عن "جلب العتبة الأولى" والثاني عن "رؤية من خلف الحجاب" والثالث عن " تمويه العين الثالثة" ، كان إياد يتنقل بين الصفحات متلهفاً، لكن شيئاً ما بدأ يثير قلقه: أرقام الصفحات لم تكن ثابتة. حين يتقدم إلى صفحة 147، يجد أن الصفحة التالية تحمل الرقم 92، ثم تقفز إلى 162، ثم تعود إلى 44. بعض الصفحات تتكرر، وبعضها يبدو مبتوراً أو ممزقاً عند الحافة، وكأن أحداً قد نزعها عمداً. شعر أن الكتاب ليس كاملاً، أو أن هناك صفحات تظهر وتختفي بحسب من يقرأها. ولم يكن هناك فهرس أو ترتيب منطقي. هذا الاضطراب في النظام لم يكن عبثاً... بل رسالة.
ثم وصل أخيراً إلى الباب الرابع فوجد صفحة بيضاء لا تخلو إلا من رسمٍ شاذ: شجرة مقلوبة، جذورها تصعد نحو السماء وفروعها مزروعة في الأرض. تحتها جملة بلغة لم يستطع فك رموزها، لكنها نطقت في ذهنه دون إرادته. لحظتها، انطفأ كل ضوء في الشقة، وشعر بنفَسٍ حار يلامس رقبته.
الليالي التالية لم تعرف النوم. أصبح يسمع اسمه يُنادى من الحمام المغلق، يرى خيالات تعبر المرايا، وكوابيسه تتكرر برجلٍ أصلع، بعيونٍ تشع بلون رماد النار، يبتسم وهو يلوّح بذراع واحدة. في إحدى الليالي، وجد راحة يده مرسومة بالحناء، بشكلٍ لم يستطع تكراره لاحقاً.
وصلت رسالة من صديقه "آسر" من الجزائر، يخبره فيها أن الكتاب يشبه واحداً من ممتلكات جده المحرّمة، والتي كانت سبباً في ظهور امرأة متشحة بالبياض كانت تطل عليه عند الفجر وتشل حركته، قبل أن تختفي فجأة، تاركة وراءها رهبةً لا تمحى. قال إنهم حين اكتشفوا قراءته للكتاب، أخفوه عنه، لكن الأذى استمر لأشهر. حتى بعدما انتقلوا لمنزلٍ جديد، بقي يسمع صوت خطوات بنعلٍ تضرب الرواق ليلاً. واستمر ذلك أكثر من عام حتى تلاشى فجأة، وكأن شيئاً أنهى مهمته وغادر.
أيقن إياد أن لعنة ما انطلقت، ربما ليست لعنة بقدر ما هي عقدٌ روحي أبرمه حين قرأ تلك "العزيمة".
في محاولة يائسة، أودع الكتاب في دار الكتب الوطنية. وبعد أيام، اندلع حريق في الجناح الذي حُفظ فيه.
هرب إياد إلى السويد، لكنه لم ينجُ.
ذات مساء شتوي، لمح الرجل الأصلع مجدداً، يقف عند محطة المترو، بنفس الابتسامة، بنفس النظرة، وكأن لا شيء تغيّر سوى البلد.
أخبره أحد الرُقاة الذين استعان بهم: " لقد فتحت باباً لا يُغلق إلا بمفتاح نُسي مع الزمن." لكن المفتاح لم يُذكر في أي من الأبواب الأربعة ".
ربما... كان هناك باب خامس، لم يُكتب بعد.
تمت
0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .