![]() |
تأليف : كمال غزال |
في قلب المدينة القديمة بفاس، حيث الجدران تتنفس عبق التاريخ، استأجرت سلمى، امرأة في أوائل الأربعين من عمرها، داراً تقليدية بعد سنوات من الوحدة والعزلة. لم تتزوج، ولم يعد أحد يطرق باب قلبها، حتى ظنت أن الحياة أقفلت نافذتها على الحب. جسدها، الذي كان لا يزال ينبض بالرغبة، أصبح كالزهرة التي تذبل بصمت، محرومة من لمسة تُشعلها.
منذ الليلة الأولى في الدار، تغيّر شيء. كان الهواء يحمل أنين ناي حزين يتردد في الباحة الخالية، لكنه لم يخفها. بدلاً من ذلك، شعرت بدفء غريب يتسلل إلى أعماقها، يوقظ شوقاً دفيناً في صدرها. ومع مرور الليالي، بدأ يظهر لها رجل بملامح أمازيغية وسيمة، عيناه كالبحر العميق، وجلبابه القديم يعانق جسداً يفيض بالرجولة. كان يعزف على ناي من خشب الأرز، وكل نغمة كانت كأنها تلامس بشرتها بلطف.
قال لها إن اسمه "أمين"، وروى لها قصته: عاشق قُتل غدراً ليلة زفافه قبل عقود. كان صوته ناعماً كالحرير، يلفها كوشاح دافئ، وفي كل ليلة كان يقترب أكثر. لم يكن مجرد شبح، بل كانت تشعر بحضوره يملأ الغرفة. في فراشها، كانت أنفاسها تتسارع وهو يهمس لها كلمات لم تفهمها، لكنها كانت تشعل فيها ناراً خفية. كان كالنسيم البارد في ليلة صيفية، يحيط بها، يداعب خصلات شعرها، ويترك على جلدها إحساساً كأن أصابعه الخفية ترسم خطوطاً ناعمة على ظهرها. لم يلمسها بيديه، لكنها شعرت بثقل جسده الأثيري يضغط عليها برفق، بحنان عاشق يعرف كيف يوقظ الرغبة دون أن يتجاوز الحدود.
لأول مرة منذ سنين، شعرت سلمى أنها امرأة مرغوبة. كانت تستسلم لتلك اللحظات، تترك جسدها يرتعش تحت وهم لمساته، وروحها تذوب في حنانه الغامض. لم يكن مهماً إن كان ميتاً أو حياً، فقد أصبح ملاذها، يروي عطشها للقرب، ويملأ فراغ سنواتها الجافة بلذة لم تعرفها من قبل.
لكن النهاية جاءت بشكل غير متوقع. في إحدى الليالي، دخلت الدار عجوز غريبة ترتدي عباءة سوداء، وعيناها تلمعان بسرٍ قديم. نظرت إلى سلمى وقالت بهمس:
"الذي يعزف لك ليس روح ميت... بل قرينه، من العوالم التي لا تُرى. لقد عشقك، ولبس ملامحه لأنه رأى فيكِ جوعاً للحب لم يُشبع."
تجمّدت سلمى، لكن قلبها لم يرتجف. لم تطرد ذلك الكيان، ولم تقرأ آيات طرد ولا استعانت برُقاة. نظرت نحو ركن في الدار حيث كان يعزف وحده بلحن يشبه البكاء، وقالت:
"إن كان وهماً، فهو أحنّ من كل حقيقة عشتها."
ومنذ تلك الليلة، ظل أنين الناي يملأ دار سلمى كل مساء، كأن الحكاية لم تنتهِ، بل صارت رقصة خفية بين الواقع والخيال، حيث الرغبة لا تعرف حدوداً...
تمت
0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .