30 مارس 2025

باب الطارمة

تأليف : كمال غزال
في قرية "الكوم الأحمر" من جنوب مصر، وقعت حادثة لم تُنسَ، حتى بعد مرور عامٍ على حدوثها.

في تلك الليلة المشؤومة، اندلع حريق هائل في بيتٍ قديم يقع عند أطراف القرية، التهمت النيران كل شيء فيه، ولم تترك إلا رمادًا ودخانًا.


أهل القرية تجمهروا، والدهشة على وجوههم… فالنار كانت تأكل الجدران كما لو كانت جائعة.

خارج البيت، كان الأب يبكي بحرقة، والأم تصرخ كأنما احترق قلبها مع البيت. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في فقدان المنزل… بل في من كانوا بداخله.

خرجت "مي" الابنة الكبرى وهي تعود من دروسها، لترى ألسنة النار تلتهم بيتها. هرعت نحو أخيها "رحيم"، وصرخت:

"أين أبي ؟  أين أمي ؟  ما الذي يحدث؟! "

لكن رحيم لم يجبها. كانت عيناه معلّقتين باللهيب، وهو يتمتم :

"دُرّة... و ..جدتي... كانتا في الداخل."

وصلت الشرطة، وسيارات الإسعاف، وأفراد الدفاع المدني ، وأخيراً تمكّنوا من السيطرة على الحريق بعد ساعات من المقاومة.
وحين دخلوا لتفقد الجثث، وجدوا جثة الجدّة… فقط.

أما دُرّة الطفلة ذات الأعوام العشرة، آخر العنقود، الجميلة التي كانت لا تفارق رحيم أينما ذهب ، لم يُعثر لها على أي أثر.
لا جسد، ولا أشلاء ، لا شيء.

مر أسبوع كامل يغص بالمرارة ...الأب ينهار، والأم ترفض مغادرة أنقاض البيت 

ورحيم لم يكن ينام ، كل مساء كان يجلس وسط الرماد، يبحث، ينقّب، ينادي باسمها… ولا مجيب.

ثم، وبعد مرور شهر، حدث ما لم يكن في الحسبان.

وصلت إلى رحيم رسالة إلكترونية من شخص غريب، اسمه "كريم" كتب فيها :

" أنت لا تعرفني… لكنني رأيت أختك دُرّة. رأيتها في مكان بعيد، في بيت يُدعى باب الطارمة.
بيتكم الذي احترق… ليس مكانًا عادياً. هو متصل بهذا المكان… لا مادياً، بل بطريقة أخرى.
إذا أردت أن تستعيدها… تعال."

ورغم الغرابة، لم يتردد رحيم.

سافر إلى حيث دلّه كريم، إلى منطقة جبلية نائية، فيها بيت قديم طُمست معالمه.

كان كريم في انتظاره حيث قال له :
"هذا هو باب الطارمة. ليس بيتاً عادياً… بل معبر، نقطة تماس بين العالمين... بعض الأرواح تُحتجز فيه، ولا تعود إلا إذا طُلِبَت."

وقف رحيم أمام الباب، ونادى بصوت متهدّج: " دُرّة ! "

فانفتح الباب تلقائياً، وأطلّ من داخله ضوء خافت، ودخان متصاعد.

دخل الاثنان.
في الداخل، كان الجو كابوسيّاً… بخور كثيف، جدران رطبة، وأصوات هامسة تُنذر باللعنة.

ثم ظهرت.

دُرّة.

كانت واقفة وسط الغرفة، بثوب محروق، ووجه يحمل آثار ما جرى، لكن ملامحها لا تزال تحمل البراءة.
حين رأت رحيم، همست : " أنا لم أمت."

اقترب منها، أراد احتضانها، لكن صوتاً كالرعد قاطعه.

كان الكيان.

ظهر من العتمة، لا شكل له، فقط ظلّ ضخم، وعيون تتوهج كالجمر.

قال:
"إن أردتها أن تعود... فلا بد أن يأخذ أحد مكانها."

ساد الصمت.

ثم تحرّك رحيم بخطى ثابتة، وقال :

"أنا من سيأخذ مكانها."

صرخت دُرّة، ركضت إليه : " لا تتركني ، أرجوك! " ، احتضنها، ثم دفعها خارج دائرة الضوء.

خرجت، وهو بقي.

أُغلق الباب خلفها.

وساد السكون.

في الصباح، وجد سكان القرية الطفلة دُرّة نائمة عند حافة المقابر، مغطّاة بعباءة، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما.

أُعيدت إلى منزلها.

أمها احتضنتها حتى كادت تختنق.

سألوها:
"أين كنتِ؟ من أخرجك ؟"

قالت بصوت هادئ :

 "أخي… رحيم."

بحث الجميع عن رحيم... ولكن لا أحد وجده.

لم يُعثر على أي أثر له. لا هاتف، لا آثار أقدام، ولا حتى رسالة وداع.

بيت الطارمة ؟
اختفى كما لو لم يكن.

لكن دُرّة، كل ليلة، تجلس أمام نافذتها وتنظر إلى السماء… وتهمس:

 "أخي لم يمت… هو هناك، في الجهة الأخرى… يحرس الباب حتى لا يُفتح مرة أخرى."

تمت 

0 تعليقات:

شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .