22 ديسمبر 2010

المحاكمة

لم يعلم كيف اصبح داخل منزله المتواضع كان صراخ زوجته يملأ المكان فزعة كمن اصابها المس، كانت إبنته نور ملقاة على الأرض ووالدتها تجثو جانبها وقد ملأت الدموع عينيها نظرت له كالمغمى عليها وقالت :

- " لقد قتلوها ؟ !

- "  أما زلت تهذين ؟!  "

 ازاحها بيده دافعاً إياها على الأرض وحاول تحريك نور ولكن دون فائدة ...كانت هناك كدمات تملأ وجهها الصغير، حاول رفعها ووضع أمام أنفها بصلة لتستيقظ، أصابه الفزع وأخذ يصرخ عليها: 

- "  إذا لم تستيقظي فسأضربك ضربا مبرحاً !

 ولكنها كانت ميتة تسمعه دون قدرة منها على التنفيذ .

جاء الأخ الكبير فيصل من خارج المنزل يلهث :

- " ماذا حدث ؟ "

صرخت والدتها صرخةً إعتقدت أن روحها غادرتها على أثرها ! ولكن النحيب رافق حشرجات صوتها :

- " ابنتي !! ....

 ونظرت لزوجها تريد خنقه :

- " لقد اخبرتك أنه يتوجب علينا الرحيل،  انظر ماذا فعل عنادك واصرارك على الرفض " . 

 استمرت بضربه على صدره حتى اسقطته ارضاً ، وعادت تضربه :

- " انت السبب لقد فقدناها للأبد لو رحلنا عنهم لما ماتت!!  "

امسكها فيصل يحاول تهدئتها وهو ينظر لـ نور ويبكي، دفنت نور بجانب بقايا منزل هامت الأشباح داخله سكنه الجن حتى بات كالمقبرة ، تمت المراسم بهدوء، لم يكن هناك الكثير من المعزين،  وما تم فعلاً أن الزوجة تركت زوجها .

التقيت الأب عبد الله في أحد البرامج التلفزيونية التي تتحدث عن " منازل مسكونة " ، كان يفرك يديه بإستمرار ، أجعد الوجه كتضاريس ضائعة في صحراء تركها الماء منذ زمن بعيد، قاسي الملامح لا يبتسم أبداً، وفيصل شاب في آخر الثلاثين من العمر لا يفعل شيئاً الا بأمر من والده،  تائه تتحرك عيناه يميناً وشمالاً كمن يبحث عن شيء أضاعه.

تحدث عبدالله عن تجربته مع عالم الجن وقال ووجهه مطئطىء الى الأرض :

- " كنا نعيش في سلام إلى أن جاء يوم إنقلبت الحياة فيه بشكل مرعب "

صمت قليلاً ثم إسترسل في حديثه قائلاً :

- "  كنت أطعم أبنائي من رعي الأغنام , أغادر المنزل في وقت الفجر وأعود عند أذان المغرب .. في ذلك اليوم ارادت إبنتي نور التخلص من الماء الذي إغتسلت به ورميه خارج المنزل فقد كان الوقت ليلاً،  خافت عليها والدتها وأمرتها أن تلقيه في المصرف الموجود داخل المنزل. وعندما اعدت زوجتي طعام العشاء والتمت العائلة حول الطناجر المغطاة كانت دهشتنا واستغرابنا حيث وجدنا ان الطعام مليء بالصراصير السوداء التي تتحرك فيه رغم حرارته العالية . انتفض الجميع وابنتي نور كانت قد وضعت أولى اللقم في فمها عندما تحرك الصرصور في فمها فنبذتها واستفرغت كل ما أكلت " .

كانت ملامح وجه غير واضحة ووجوم يغطي طيات وجهه ،  استطرد قائلاً :

- "  اعتقدت في البداية ان ما يحدث عارضاً وان زوجتي لم تتنتبه لوجود الصراصير بمكان قريب من الطعام ، ولكن في الأيام التي تلت حدث ما لم تشهده عين أو تسمع به أذن "

استعجلته بالحديث فقلت :

- " وكيف ذلك ؟ "

فقال :

 - كان الطعام يقلب دوداً ، او يستبدل بحجارة لم نهنأ بلقمة طيبة لمدة طويلة ،كنا نستيقظ في الليالي على صوت الأواني تطير وتضرب بالحائط أو زجاج النوافذ يكسر، في إحدى الأمسيات كنت أجلس مع العائلة وعندما دخلت نور، ودون مقدمات اشتعلت الحيطان ناراً تأكل كل ما في الغرفة كأنك صببت عليها مادة مشتعلة لم ندر أين نذهب وماذا ننقذ أخذنا نتخبط وندور حول أنفسنا ،ونور في الزاوية وقفت متصلبة لاتتحرك لا تنطق كأنها رأت ملك الموت أمامها ، ثم شاهدتها تجرعلى أرض الغرفة وأخذت تصرخ وتصرخ ، وانا أحاول اللحاق بها ولكن كنت اسقط على الارض وكأن احداً كان يدفعني بشدة حتى فقدت الوعي !، لم أدر ما حل بي أو بها إلا عندما استيقظت والجميع حولي ،كانت بقايا أثاث المنزل المحروق مكومة أمام الباب ووجوه أفراد عائلتي مسكونة بالرعب أعينهم دون ملامح ..تذكرت نور فقفزت من مكاني أبحث عنها : أين هي ؟أين نور؟ ابتعدو ليفسحو لي الطريق اليها ..كانت في حضن والدتها مضرجة بالدماء..تقدمت مسرعاً اهزها وأسألها عن ما حدث ،  نظرت لي دون معنى وارخت راسها مجهدة ،  هززتها ثانية وقلت:

- "  اجيبي من فعل بك ذلك ؟

كنت على إستعداد لقتل أي شخص تعرض لابنتي ، ولكن اجابتها جعلتني أصاب بالشلل فقد خرجت الكلمات من فمها متعجبة :

- "  لقد سحبوني الى باطن الأرض! "

وسكتت كأنها تحت تأثير مخدر،  ضربتها ضرباً موجعاً ولكنها لم تعترض وكأني أضرب حائطاً ، لم أصدقها إعتقدت أنها حجه لتسكتني ، وأعدت سؤالها فأجابتني نفس الجواب واستطردت وهي تدمع :

- "  لقد حكم علي بالموت "

.تجمدت يدي وهي في الهواء ، وشهقت والدتها وأخذت تصرخ وتبكي وقالت لها وهي تضمها :

- " من هم ؟! ...لا أحد يجرؤ على إصابة صغيرتي بأذى" .

 ولكن نور قالت وكأن المسألة كلها منتهية :

- " لقد كان حكمهم وسينفذونه ...كان الماء المتدفق عبر مصرف المنزل قد قتل أحد أبناء الجن وذلك لأني لم انطق بالبسملة "بسم الله الرحمن الرحيم " وكل ما حدث بعدها كان جزءاً من مسلسل انتقام عائلته منا ، واليوم امتثلت أمام قضائهم وكان الحكم بالمثل " .

شهقت غير مصدقة وكأنها صحت من غيبوبتها :

- " سأموت يا والدي نظرت لوالدتها وارتمت بحضنها سيقتلونني يا أمي

لم أشاهد أي شيء حولي لم أصدقها ولم أقم بأي عمل لمنعهم ، لقد كنت السبب بقتلها.

وضعت يدي على كتفه احاول تهدئته وإبعاد الشعور بالذنب الذي يسكنه ، ولكن دموعه كانت تسبق كلماته التالية :

- "  لقد رجتني زوجتي أن نترك المنزل ولكن عنادي وعدم تصديقي منعني ، كنت أعتقد أنهم سيخشونني ولكن قوتي وهيبتي لم تمنعهم من جرها وشنقها بأقرب شجرة للمنزل " .

 لم أستطع منع دموعي ولم أستطع منعه عن المغادرة يرافقه ابن تائه يتلفت خائفا كلما صدر صوت مفاجيء.
تمت
  ملاحظة
القصة المذكورة قصة حقيقية وقعت أحداثها في قرية من قرى شمال سوريا.

نبذة عن مسيد المومني
حصلت مسيد المومني (32 سنة) على بكالوريوس صحافة وإعلام من جامعة اليرموك حيث تعمل حالياً بقسم الإعلام في مؤسسة تجارية، ولدت في إحدى قرى الأردن وترعرعت في طبيعة ساحرة بلورت في نفسها حب الأحلام والخيال ، تعلقت بالقصص الرومانسية التي كانت ترويها جدتها وشعرت برغبة بدمج الخيال مع القصص الشاعرية وترفد موقع قصص ما وراء الطبيعة بإبداعها من قصص الخيال. سبق لـ مسيد أن عاشت تجربتين واقعيتين نشرتا على موقع ما وراء الطبيعة وهما كرة ضوء غامضة وحادثة طريق إربد- عجلون، تراودها من حين إلى آخر رؤى تنبئ عن رسائل تتحقق في الواقع .




روايات أخرى لـ مسيد المومني
- ذات الثوب الأبيض - جزء 1
- ذات الثوب الأبيض - جزء 2

إقرأ أيضاً ...
- فيلم AmityVille
- كيف يصبح المكان "مسكوناً " ؟
- لعنة تصيب ساكني منزل بعد إقامته على مدفن