2 مارس 2011

عاد ولكن .. !

وصلت ضحكاتها لغرفة أمها التي جاءت مبتسمة وقاطعت حديثها على الهاتف :

- "حنان.. أخفضي صوتك سيستيقظ الجيران !! "

وضعت اصبعها على فمها وقالت :

- " إنه مازن.. أضحكني "

أدارت أمها ظهرها لتترك الغرفه فاستوقفتها :

- " أمي .. سيأتي مازن من السفر الأسبوع القادم لنتم مراسم الزواج "

كانت كمن تطير عن الأرض وخدودها تلونت بلون الزهر ، إبتسمت الأم :

- " أهلا وسهلاً بمازن سأجهز له ما لذ وطاب "

نقلت له حنان ما قالته والدتها وفي حركة حياء وخجل لم تقو على رفع رأسها فانسلت هاربة لغرفتها وهي تقول بصوت خفيض :

- " حبيبي وبعدين ..لقد أغرقتني كلماتك ، لا أعلم كيف سأصبر إلى الأسبوع القادم ؟ "

لم تشعر بالوقت يمضي وهي مستلقية على سريرها تحسب الوقت الذي يفصلها عن لقائه ، تفكر بحياتها القادمة معه : " ستكون حياتي سعيدة بل وأكثر من ذلك ! " تذكرت وهي تتنهد وترفع رأسها للسماء تدعو الله : " يارب أعطني الصبر..سأختنق لم أعد أحتمل".

مضت أيام لا تستطيع تصديق موته ..كان عائداً من سفره ليتم مراسم الزواج .. مالذي حدث ؟  ، كيف استطاع أن يتخلى عنها بسهولة ويسمح للسيارة بالاصطدام بشجرة ويموت هكذا بسهولة دون أن يعلمها ، وهو من وعدها أن لا يفرق بينهما شيء حتى الموت !! ،

هزت رأسها ومسحت دموعها وعادت لتتأمل السقف ثانية ، دخلت والدتها للغرفة بهدوء لم تشعر بها ووضعت يدها على كتفها فارتجفت ، جلست جانبها وأمسكت برأسها وتركته بحجرها أخذت تمسح شعرها وتقول:

- " لا يجب عليك الإستسلام ..أنت الفتاة القوية الصلبة ...ربنا كتب له عمراً وانتهى ...لا تعذبيه في قبره ادعي له لينفعه في مماته!.. يجب ان تخرجي من المنزل وتغيري جو هذه الغرفة فمنذ ايام لم تتحركي عن سريرك ..كثرة البكاء والحزن لن يعيداه اليك .. أارجوكي يا ابنتي أخرجي من كهفك المظلم لا تتركيه عنواناً لحياتك القادمة هناك ضوء في الخارج ينتظرك ليساعدك في إبعاد همومك".

لم تنطق كان كل شيء صامتاً حتى حديث والدتها لم يكن له وقع على مشاعرها ولم تدر متى تركتها والدتها وغادرت الغرفة ، قطع عليها صوت حصى ترمى على نافذتها أنصتت وعاد صوت الحصى المصطدم بالزجاج ركضت نحو النافذة ونظرت لأسفل حيث كان يختبيء خلف الشجرة لتراه من موقع غرفتها دون أن ينتبه أهلها..لكن الهواء الذي يلعب بورق الأشجار كأن كل ما شاهدته لم يكن موجوداً .. كانت عادته ، كان يأتي كل ليلة وتذهب لمقابلته تحت أشجار الغابة القريبة ، لم تكن تتخيل عندما سمعت صوت الحصى ، لقد شعرت به قريباً ..تساءلت بعصبية: " ما الذي حدث لي؟! .. هل بدأت افقد عقلي ؟! ، لقد مات وتركني " ، إمتلأت عيناها بالدموع وأطلقت صرخة عنيفة تناديه :

- " مازن... لماذا تركتني ! "

قررت بعد أيام أن تزور المكان الذي اعتادا اللقاء فيه ، قطعت الغابة و رفعت يدها تغطي عيناها من إنعكاسات المياه ، جلست على الأعشاب المشبعة بقطرات الندى وهي تتأمل أمواج البحيرة تحركها نسمات الهواء كأنها بموكب يزف أشعة الصباح ، وضعت رأسها فوق يديها وتاهت مع الإنعكاسات على سطح الماء فهذه تشبه البجعة وهذه الموجة كالفراشة وهذا لم تستطع تحديده كان كشيء له عينان كبيرتان حمراوان ورأس غريب ليس له ملامح محددة اقترب من سطح البحيرة حتى أخذ شكل شاب يشبه ( ......).

لم تصدق عيناها ، فركتهما ونظرت ثانية صاحت بصوت عال وفرح :

- " مازن ... "

أخذ يحرك شفتيه كمن ينادي عليها ...ارتجفت وفرحت تناولتها الكثير من الاحاسيس المختلطة نسيت انه بعد الموت لا حياة على الأرض ، نظرت خلفها تريد الإسراع لتستقبله ولكنها لم تجد احدا ، لا شيء سوى أشجار وأصوات الريح تتخلل أوراقها عزف حزين كحياتها .

وقفت وأخذت تذهب وتجيء عله اختبأ ليفاجئها او أنه خاف عليها فابتعد ولكن عبثاً لم يكن هناك ، عادت كالمجنونة للبحيرة نزلت للماء وأخذت تحركه يميناً وشمالاً وهي تصيح :

- " أين انت حبيبي ..لا تتركني ..ارجوك عد .. لن أقوى على فراقك أكثر  "

استوقفتها والدتها وبقوة غير معهودة أبعدتها عن الماء ومن بين تضارب أفكارها سمعت همس والدتها بحرقة تقول لنفسها :

- " لا حول ولا قوة إلا بالله ..اعتقدت أنك تخطيتي حزنك عليه "

صرخت :

- " لقد شاهدته هنا كان أمامي صورته تملأ البحيرة .. صدقيني لقد شاهدته "

من بين دموعها كانت ترى نظرات حزن والدتها ، طأطأت رأسها لإبعاد الأسى عنها ، وخلف جذوع الأشجار ظهر خيال يطل من بعيد يشير لها لتلحقه ، وقفت ومشت تبعد والدتها لتصل له وأخذت تنادي بصوت عالي :

- " مازن..لا تذهب... تعتقد أنني جننت تعال أخبرها أنك ما زلت هنا .. أخبرها أنك لن تتركني ..أرجوك "

كل ما تذكرته يداً ملوحة وغيوماً سوداء لفتت نظرها ولم تعد تعلم شيئاً ، لم تعد تحس بشيء وكأنها في سباق لتلحق به .

تأليف : مسيد المومني


نبذة عن الكاتبة
حصلت مسيد المومني (32 سنة) على بكالوريوس صحافة وإعلام من جامعة اليرموك حيث تعمل حالياً بقسم الإعلام في مؤسسة تجارية، ولدت في إحدى قرى الأردن وترعرعت في طبيعة ساحرة بلورت في نفسها حب الأحلام والخيال ، تعلقت بالقصص الرومانسية التي كانت ترويها جدتها وشعرت برغبة بدمج الخيال مع القصص الشاعرية وترفد موقع قصص ما وراء الطبيعة بإبداعها من قصص الخيال.

إقرأ أيضاً ...
- ذات الثوب الأبيض- جزء 1