لم تكن حكايات الأشباح في العصور الوسطى مجرد قصص للتسلية أو أساطير عن أرواح تائهة، بل كانت انعكاساً حياً لنظرة الناس آنذاك إلى الدين والأخلاق والموت. فقد استُخدمت هذه القصص لتعليم الدروس الأخلاقية، وتفسير الظواهر الغامضة، وإثارة الرهبة في النفوس ، من الفايكنغ إلى إنجلترا، ومن إيرلندا إلى ألمانيا، صاغت أوروبا عالماً غامضاً من أشباح لا تهدأ، وجثث تخرج من قبورها، ورسائل من الموتى تحمل وعيداً وعقاباً.
1- صراع مع الميت في قلب الظلام
في أعماق التاريخ الإسكندنافي، وتحديداً في مقاطعة "ويك" في الشمال الأوروبي، رحل أسويد، ابن حاكم الإقليم، محمولاً إلى مثواه الأخير في طقس جنائزي مهيب. دُفن بجواره حصانه الوفي، وكلبه الصياد، وأعز أصدقائه أسموند. لكن أسموند لم يكن ميتاً، بل حياً يرزق، أوفى بقسم الصداقة الذي قطعه لأسويد بأن يرافقه حتى بعد الموت. وبهذا أُغلق عليهما معاً في كهف قديم، مع رائحة العفن وظلمة لا تعرف شمساً.
مرت الأيام والليالي، حتى عثر بعض السويديين على الكهف النرويجي الذي أصبح مأوى أسموند. دفعهم الفضول إلى إرسال رجل للبحث عن كنوز محتملة، لكن بدل الذهب، واجههم مشهد يفوق الخيال: أسموند بوجه دامٍ، يتدفق منه الدم ويتناثر على خديه. ارتاعوا وظنوا أن الموتى قد عادوا إلى الحياة، ففرّوا في كل اتجاه.
روى أسموند قصته المروّعة قائلاً: " لقد عاد أسويد إلى الحياة مع حلول الليل، وانقضّ عليّ بمخالبه الممزقة. في البداية التهم الحصان، ثم الكلب، وحين لم يشبع، وجّه جوعه إليّ، فمزّق وجهي وانتزع أذني. منذ ذلك الحين، لم يعد في عيني ولا في روحي أي أثر للفرح؛ فقد صرت أقاتل الميت نفسه، في ظلام يبتلع الزمن".
وأوضح أن القتال كان متواصلاً، وأن قوة جحيمية أعادت لأسويد قدرة القتال بعد أن صار رماداً. لم يجد أسموند مفراً من أن يضع حداً للكابوس ، فقطع رأس صديقه وغرس وتداً في جسده ليكبح شرّه إلى الأبد.
هكذا، ظلّت الحكاية تُروى في شمال أوروبا، لا كقصة عن وفاء الصداقة فحسب، بل عن رعب قيام الموتى، وعن ثمن القسم إذا كان مقروناً بالهاوية.
ما ورد عن أسموند وأسويد محفوظ في مصادر أدبية قديمة مثل غيستا دانورم Gesta Danorum لـ سكسو غراماتيكوس (القرن 12–13م)، وهو عمل تاريخي-أسطوري جمع بين أخبار ملوك الفايكنغ والقصص الخيالية ، عناصر الحكاية تحمل سمات واضحة لأساطير الموتى العائدين (دراوغر) Draugr المنتشرة في الموروث الإسكندنافي.
2- شبح السمعة السيئة
كان هنري نودوس فارساً اعتُبر في حياته "شريراً للغاية" بسبب اتهامات بالزنا وسفاح القربى والحنث باليمين وغيرها من الرذائل، حتى بعد وفاته، واصل أفعاله الآثمة، إذ كان يظهر للعديد من الناس مرتدياً جلد خروف اعتاد أن يلبسه في حياته، وكان يزور خصوصاً منزل ابنته".
لا شيء أوقف زيارات نودوس (ويُعتقد أن جلد الخروف رمز للواقي الذي كان يستعمله)، حتى عندما هوجم بالسيف أو وُوجه بإشارة الصليب. أخيراً، استشار أصدقاء الفارس المثير للمشاكل الأسقف المحلي، فنصحهم برش الماء المقدس في بيته وبيت ابنته وبعد أن فعلوا ذلك، لم يظهر ثانية.
3- انتقام شبح
على فراش الموت، طلب ويليام الفرنسي التابع لموستيارس من زوجته أن تعده بألا تتزوج أبداً من عدوه اللدود. وأضاف أنه إن فعلت ذلك فسيقتلها، وأشار إلى مدقة حجرية قريبة سيستعملها كسلاح.
رغم موافقتها المترددة، إلا أنها تزوجت من عدوه بعد موته، وكانت تعلم أنه سيعود لينتقم منها. وبالفعل، أثناء حفل الزفاف، ظهر شبح زوجها الراحل أمام أعين المدعوين، رافعاً المدقة ثم أسقطها على رأسها، حاول الحاضرون التصدي للمدقة الطائرة لكنهم لم يروا كيف ارتفعت وسارت في الهواء.
4- شبح رفض الاستسلام
تروي الملاحم الفايكنغية أن ثورولف "ذو القدم المعطوبة" لم يرقد بسلام بعد موته، بل أخذ يقود ماشية يركبها شياطين، كان الماشية الأحياء والرعاة الذين يقتربون من قبره يسقطون صرعى.
استمرت هذه الفوضى من الصيف حتى الشتاء، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب من مكان دفنه ، حتى زوجته أصابها الجنون وماتت من رعب مضايقاته الشبحية ، وسرعان ما بدأ ثورولف يخرب الأرياف: "يتجول في الوادي فيدمر المزارع ويقتل الرجال في طريقه".
نتيجة الخوف والموت والخراب، نُبش جسده فوجدوه "سليماً غير متحلل، وبشع المنظر"، كان جسده ثقيلًا لدرجة أن ثورين انهارا وهما يحاولان نقله، تُرك جسده على الأرض وأنشئ سيا حوله حتى لا يقترب منه أحد. لكن هذا لم يكف، فلاحقاً أُحرق جسده، حتى ذلك لم يضع حداً لمشاكله، إذ تقول الملحمة إن خنزيرة لعقت بعض رماده فولدت مخلوقاً وحشياً جلب مزيداً من الفوضى والبؤس.
5- شبح الزوج العنيد
بحسب إحدى الحكايات المخيفة، وبعد وفاته مباشرة، بدأ متوفى بزيارة غرفة نوم زوجته مراراً، كان "يرعبها عند استيقاظها… ويكاد يسحقها بوزن جسده الذي لا يُحتمل" ، فاستعانت بأشخاص ليناموا بجانبها لردعه، لكنه قرر بدلًا من ذلك أن يُرهب البلدة كلها ولأن المتوفى أصبح "مشكلة لأصدقائه وجيرانه"، عمّ الخوف بين الناس ليلاً ونهاراً ، طلب الأهالي المساعدة من الكنيسة. أرادوا نبش جثته وحرقها، لكن الأسقف أمر بفتح القبر ووضع "رسالة غفران" على صدره، عندها فقط توقفت مطارداته.
6- محاولة إبادة شبح زادت الأمور سوءاً
في بلدة بيرويك شمال إنجلترا، اعتُقد أن موت رجل ثري كان بسبب الشيطان ، وبعد دفنه، بدأ يخرج "ناشراً الذعر بين الجيران" ، لزم الناس بيوتهم ليلاً خوفاً من مواجهة "هذا الوحش القاتل".
أخيراً، جرى الاستعانة بعشرة شبان شجعان لنبش جثته وتقطيعها ، توقفت الاضطرابات بعد ذلك. قيل أيضاً أن الشبح اعترف لبعض الناس أن " السلام لن يعود ما دامت جثته غير محترقة".
لكن الدفن لم ينه الكارثة، إذ نشب وباء عظيم بعد ذلك قضى على معظم سكان بيرويك.
7- كأس النار والكبريت
في كولونيا بألمانيا، لم يهرب الفارس رودينغر من رذائله بعد موته، كان سكيراً معروفاً وعلى فراش موته وعد ابنته أنه سيعود إليها بعد ثلاثين يوماً.
عاد فعلاً، ممسكاً بكأس كما اعتاد في حياته، سألته ابنته: " أبي، ما الذي في الكأس؟ "، فأجاب: "إنه مزيج من الكبريت والنار. أنا أرتشف منه دائماً لكن لا أستطيع أن أنهيه أبداً".
بعد رحيله، أدركت ابنته أنه في عذاب أبدي: " فالخمر حلو في الحياة، لكنه يحمل سم الأفعى في النهاية".
8- جيش الأشباح في إيرلندا
في أوسوري، منطقة ارتبطت بالذئاب وظواهر غريبة في العصور الوسطى، خيّم جنديان في خيمتهما، فجأة "دوى صوت هائل، كأن آلاف الرجال يهجمون من كل الجهات، مصحوباً بطنين الأسلحة وارتطام الفؤوس" ، تكررت مشاهد جيوش الأشباح في إيرلندا خلال الغزوات، في هذه القصة، هرب معظم الجيش واختبأ في الغابات والمستنقعات.
9- الشبح واللحم الوهمي
ذكرت حكاية أن امرأة أمسكت بشبح وحملته على ظهرها إلى منزل أمام عدد من الرجال، أصيبوا بالذهول عندما رأوا " يدَي المرأة تغوصان عميقاً في لحم الشبح وكأنه متعفن وغير صلب بل لحم وهمي".
10- محاكمة الأشباح
بعد سلسلة وفيات غامضة، استشار شاب إسكندنافي يُدعى كياران كاهناً يُدعى سنوري فأخبره أن الأشباح مسؤولة وأن عليه استدعاء "محكمة الأرواح" لمحاكمتها.
عرض كياران الأرواح للإدانة بأنها "حرمت الناس من حياتهم وحظهم"، فقبل الأشباح الثلاثة الحكم وهم : (ثورغريما) وجه الساحرة، و(ثورير) ذو الساق الخشبية، و(ثورود) وكان الحكم يقضي بمغادرة المنطقة بعد ان اعترفت بأنها ألحقت ما يكفي من الضرر، قال (ثورود) بوضوح إنهم سيبحثون عن مكان آخر.
11- الفاصولياء والشبح المساعد
في ريف ريفاولكس بإنجلترا، لم يعد بمقدور حصان حمل كيس من الفاصولياء لاصابته بالعرج فقرر الرجل صاحب الحصان حمل البضاعة على ظهره، ثم صادف "حصاناً واقفاً على قائمتيه رافعاً قدميه الأماميتين" ، فشعر الرجل بالتهديد وتوسل من ذلك الحصان أن يتركه فتحول الحصان أمام عينيه إلى كومة تبن مضيئة.
ثم ظهر شكل رجل ودود عرّف بنفسه وعرض المساعدة ، حمل الشبح الفاصولياء حتى النهر لكنه رفض عبوره ، ولم يعرف الرجل كيف عادت الحمولة إلى ظهره.
0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .