24 سبتمبر 2019

اليحموم : كائن البئر الملعون

تأليف : إبراهيم الجريري
مع انفلاق خيوط الفجر الكاذب خرج كعادته منذ 17 عاماً، يحمل فانوساً يضيء به عتمة الليل في طريقه إلى المسجد ليرفع أذان الفجر، وحين وصل الرجل الخمسيني إلى عتبة المسجد وقبل أن يفتح الباب سمع أنيناً في وسط الظلمة يأتي من مكان ما، بالقرب منه، توجه إلى مصدر الصوت، وهناك وجد طفلاً ملفوفاً في قماش أبيض قد لطخته بقع الدماء، أنه حديث الولادة، ربما ولد في ساعات الليل المتأخرة، ولا بد أنه أمه قد تخلت عنه، هذا ما اعتقده المؤذن.

أخذه من مكانه، ثم فتح اللفافة عن وجهه، ليتفاجأ بأن وجه الطفل ليس وجه آدمي بل وجه بشع ومخيف ليس له ملامح بشرية، سرت قشعريرة في جسد الرجل ثم تيبست يداه، فتركه مكانه وولى خائفاً مذعوراً إلى داخل المسجد، فرفع أذان الفجر، وما أن أتى الناس يتوافدون لأداء الصلاة، حتى أخبرهم بأمر الطفل الرضيع الملقى بالخارج، خرج الناس معه ليتبينوا الأمر، لكنهم لم يجدوا أي طفل خارجاً أبداً، فشعر الرجل بنظرات الناس وكأنهم يتهمونه بالجنون أو الخرف، حتى أن بعضهم قد سأله: هل أنت متأكد أن ذلك لم يكن حلماً حلمته وأنت نائم؟.. عاد المؤذن إلى بيته ويداه مشلولة وقد ساءت صحته وتدهورت حالته، وسلم روحه إلى بارئها بعد ثلاثة أيام من تلك الحادثة.

على مسافة ليست ببعيدة من المسجد تقبع بئر مهجورة تلفها الأشجار الكثيفة المليئة بالثعابين السوداء، وتخرج منها الخفافيش عند حلول المساء، لا أحد يتجرأ على الاقتراب منها، حتى أنهم لم يروا قعرها من شدة الظلام، ولا يعلمون أما زال بها ماء أم قد جفت ونضب ماؤها. كانت هذه البئر في زمن ماض تستخدم لجلب الماء منها إلى المسجد لاستعماله في الوضوء، لكنها هجرت منذ زمن بعيد ولم يعد أحد يقترب منها أبداً..

يقال أن هذه البئر تخفي في أعماقها أسراراً مرعبة، فهي باتت مكاناً لإخفاء آثار الجرائم والتخلص منها في قعرها اللعين، لا يتورع المجرمون والسفاحون عن إلقاء جثث ضحاياهم في هذه البئر، كذلك البغايا وبائعات الهوى اللاتي يحبلن من الزنا يرمين بمواليدهن الرضع في البئر، والنساء اللاتي يجهضن أطفالهن بطرق غير شرعية يتخلصن منهم برميهم في قعر البئر، وأيضاً الفتيات اللاتي ارتكبن الرذيلة يرمين بالأجنة في غياهب هذا الجب، وكذلك نساء القرية يتخلصن من بقايا الحمل مثل المشيمة وأجزاء من الجنين في حال سقوط الحمل في الأشهر الأولى برمي هذه البقايا في أسفل البئر ليلاً، فأصبحت هذا البئر بؤرة للخطيئة، وبينما يعيش الناس في الأعلى بسلام، هناك شر ملعون يتخمر في الأسفل، أنه في طور التكوين من بقايا الأجنة المتخمرة بالطين في قعر البئر، وقد آن أوان اكتماله وحان زمان صعوده للأعلى..

في عصر يوم من الأيام توفيت في القرية امرأة حامل في شهرها الثامن، وبعد مغيب الشمس حفروا لها قبرها ودفنت فيه، وفي صباح اليوم التالي وعندما مر بعض الصبية من طريق المقبرة، رأوا أحد القبور وقد بُعثر ترابه، فأتوا وهم يصرخون إلى وسط القرية وقد أفزعهم هذا المنظر، وحين ذهب الأهالي إلى المقبرة ليتبينوا الأمر، تفاجأوا أن القبر قد تم حفره ليلاً، فهناك فجوة عميقة تؤدي إلى اللحد حيث ترقد الجثة تحت التراب، وهذا قبر حديث للمرأة الحامل التي رحلت بالأمس. أزاحوا التراب حتى وصلوا إلى جثمان المرأة فوجدوا أن بطنها مشقوقاً والجنين الميت قد اختفى ولم يتبق إلا جثة أمه المشوهة. هال هذا الأمر الناس ولم يعرفوا سببه أو من فعل هذا الشيء المخيف، وهذه حادثة لم يسبق أن حدثت في القرية من قبل.

وفي إحدى الليالي المقمرة وبينما كان بعض شباب القرية يسمرون على مقربة من تلك البئر، سمعوا ضجيجاً يأتي من ناحية الأشجار التي تحيط بالبئر، وكأن شيئاً على وشك الخروج من تلك الأجمة التي تلتف على ضفة الجب، وما لبثوا أن رأوا دخاناً أسود يتصاعد فظنوا أنه حريقاً في الأشجار، لكن بدأ الدخان يتشكل على هيئة مخلوق يشبه الإنسان في جسمه غير أن رأسه رأس خروف، له عينان حمراوان يتطاير منهما الشرر، وجسده مليء بالشعر الكثيف، وما أن اكتمل تشكله وسط ذهول ودهشة الشبان، حتى أطلق هذا الكائن عواء مخيف هز القرية بصوته المرعب، ثم هجم على الشباب الذين هربوا بذعر من المكان لا يلوون على شيء، لكن واحد منهم تعثر وسقط أرضاً، بينما البقية أفلحوا في الهرب.. خرج الناس من بيوتهم فزعين على إثر ذلك الصوت الرهيب، فأخبرهم الشباب الفارين بما رأوا، ثم تجمع الرجال يحملون أسلحتهم وذهبوا إلى البئر، وهناك تجمدوا على منظر مروع، لقد وجدوا جثة الشاب مشوهة، وقد بقرت بطنه، وتناثرت أعضاء جسمه على التراب.

لم يصدق الناس كلام الشبان بشأن ذلك المخلوق، واعتقدوا أنه حيوان مفترس قد هجم عليهم وقتل الشاب، وأن الخوف هو من صور لهم مشهداً خيالياً.

ولم تمض سوى أيام حتى هزت القرية حادثة أخرى أشد رعباً وقسوة من الأخيرة، حيث عادت زوجة طبيب القرية من بيت أهلها ليلاً مع أطفالها، وحين دخلت منزلها وجدت الدماء متناثرة على جدران البيت، وجثة زوجها مقطعة ومبعثرة في كل الغرف، فخرجت تجر صغارها وتصرخ بأعلى صوتها والخوف قد أفقدها عقلها. تجمع الناس بعد أن أيقظهم صياحها، وشاهدوا هذه الجريمة المروعة التي أثارت الرعب والخوف في قلوبهم، لقد كان هذا الطبيب لا يمانع في إجراء عمليات الإجهاض سراً لنساء القرية مقابل المال، وهذا شيء لا يعلمه الكثير من أهل البلدة..

تفاقمت الجرائم المهولة في هذه البلدة، وأهلها حائرون لا يدرون ما يفعلون حيالها، فلا يأتي صباح إلا ومعه خبر مقتل أو اختفى أحد أهالي القرية، ففي إحدى الليالي تأخر أحد الفلاحين في مزرعته على غير عادته، وحين ساور القلق أهله، خرج أبناؤه في إثره، فدخلوا الحقول يحملون المشاعل في أيديهم وهم يبحثون عن والدهم. بحثوا مطولاً في حقول الذرة وبين الأشجار في المزرعة ولكن عبثاً فلم يعثروا على والدهم، وحين انتصف الليل وأرهقهم البحث المضني جلسوا ليستريحوا تحت شجرة كبيرة تتوسط المزرعة، وبينما هم صامتون كل واحد منهم يفكر مع نفسه في مآل أبيه ومصيره، سقط شيء من أعلى الشجرة واستقر بينهم، اقتربوا بخوف وقربوا مشاعلهم ليتبينوا هذا الشيء تحت ضياء المشاعل، فتفاجأوا بأنه رأس والدهم المقطوع وقبل أن ترتد إليهم أنفاسهم من هول الفاجعة، قفز مخلوق بشع من أعلى الشجرة واستقر أمامهم، جسده جسد إنسان ورأسه رأس خروف له قرنان معكوفان، ثم هجم على أخيهم الأصغر وعضه في رقبته ثم هرب بسرعة البرق فقطع أوداجه وتركه ينزف بقوة ليلفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي أخوانه المرعوبين الذين لم يدروا ما يفعلون..

بعد هذه الحادثة قرر أهل القرية ردم البئر الملعون ليدفنوا هذا الشر في باطنها، وبالفعل ردموها بالتراب والحجر حتى تمت تسويتها بالأرض. ومر عام كامل ولم يحدث شيء في القرية..

في إحدى الليالي وبعد أن انتهت حفلة الزواج، كان العريس والعروس في غرفة نومهما بأول ليلة في شهر العسل، وبينما هم يسمرون سمعوا تشققات في أرضية الغرفة، وما لبثوا أن رأوا البلاط يتزحزح عن مكانه، ثم فجأه تناثر التراب من الأسفل وتطاير بلاط الأرضية ليخرج من فجوة في الأرض مخلوق مرعب لم يترك مجالاً للعريسين للهرب، فانقض على الرجل ومزقه أشلاء أمام ناظري زوجته التي أغمي عليها من شدة الخوف..

هرع أهل العريس إلى غرفة ابنهم بعد أن سمعوا ذلك الصوت المخيف، وهناك وجدوا الفوضى العارمة في الغرفة، فالأرضية لم تعد موجودة بل هناك حفرة تقود إلى نفق يتجه إلى الأسفل، ووجدوا جثة ابنهم ممزقة، أما العروس فقد اختفت ولم يعثروا على أي أثر لها..

اختار أهل القرية بعض الشباب ليدخلوا في هذا النفق ويستكشفوه، حملوا أسلحتهم ودخلوا، فوجودا شبكة معقدة من الأنفاق تحت القرية أكبرها النفق الذي يؤدي إلى ناحية تلك البئر الملعونة.. وبينما هم يزحفون في تلك الأنفاق سمعوا أنيناً، فاقتربوا بحذر شديد ليجدوا المرأة التي اختفت وقد امتلأ جسدها بالدماء لكنها ما زالت على قيد الحياة، أخرجوها وتمت معالجتها. ثم طرأت فكرة في عقول أهل القرية وهي إغراق تلك الأنفاق بالماء، فمدوا الأنابيب لتسكب مياهها في الفجوة التي بالغرفة وتنساب إلى داخل النفق حتى امتلأت الحفرة بالمياه وبعد ساعات طفت جثة ذلك الكائن المرعب من خلال الفتحة التي بالغرفة وقد قتلته المياه خنقاً، فانتشلوه وأحرقوا جثته بالنيران..

بعد عدة أشهر ظهرت بوادر الحمل على المرأة التي اختطفها الكائن، وحين مرت تسعة شهور وخلال الليل ولدت المرأة طفلاً مشوهاً كان رأسه لا يحمل ملامح بشرية أما جسده فجسد إنسان، وضعته في لفافة بيضاء وحملته ليلاً وتخلصت منه بطرحه عند عتبة المسجد وانتظرت عنده ولم تنصرف إلا عندما رأت ضوءاً يشق عتمة الليل، كان ذلك مؤذن المسجد يحمل فانوساً وهو قادم ليرفع أذان الفجر..

اليحموم في اللغة العربية هو الدخان الأسود الحار

إقرأ أيضاً ...