14 أبريل 2013

لماذا تخليت عني ؟

تأليف : رقية أبو الكريم
نسائم النيل تداعب وجنتيه، صباحات ندية ترسم بسمة مخملية على محيا وجهه، تناهى إلى مسامعه صوت ضوضاء المركبات، وصوت الباعة في الشارع، نهض من فراشه الدافئ، استرسل الخطى، حتى باب الشرفة الموارب. تدلت خلفه ستائر شيفون بيض، ترفلها نسمات هواء تنساب بهدوء إلى داخل الغرفة.


 ظهر من وراء الستائر، بشعرٍ أسودَ داكنٍ، يرتدي بيجامة نوم، أطلّ عبر باب الشرفة، وقف عند حافة الباب، مرّخ ذراعيه، تثاءب، فرد صدره، شهق نفساً عميقاً ثم زفره ببطء، تقدم نحو سياج الشرفة المطلة على نهر النيل؛ ردد بصوته الناعس :

   - ما أجمل صباحك أيها النيل.

   عاد بخطواته المتباطئة نحو باب غرفته المطلة على الصالة؛ جذبته قهقهات ضحك، وارب الباب ببطء، بدا قلقاً وهو يسترق السمع عبر الباب؛ فتح عينيه على اتساعهما بفرح :

   - إنه صوت رضوى !

   أغلق باب الغرفة، اتجه صوب خزانة الملابس، بدا مرتبكاً والفرحة على ملامح وجهه، أخرج ثيابه، ألقى بها على السرير؛ بدت عليه البهجة وهو يرتب هندامه أمام المرآة، خلخل أصابعه في خصل شعره، فرّت روحه قبل جسده إلى الصالة؛ حيث تجلس (رضوى) بفستانٍ زهري ذي كـُم طويل، تنفلت على وجهها الخجل خصلٌ من شعرها الأشقر بانسياب، وقد لمته بكماشة شعر زهرية اللون، تنسجم ولون الفستان. دخل مبتسماً بروح مغمورة بالبهجة والفرح :

   - صباح الرضى يا رضوى.

  ردت عليه بصوت مرتبك :

   - صباح البهجة.

   قال بلهفة:

   - كيف حالك يا رضوى؟

   أجابته بذات اللهفة:

   - بخير.

   دخلت أخته (ليلى)، تسبقها رائحة البن، وفنجانين يتراقصان في صينية تحملها، قالت وعيناها ترقبهما :

   - صباح الخير يا أحمد... هل ستخرج من دون فطور، أراك متهيئاً للخروج؟!

   متنهداً أجابها:

   - لا أبداً... سأتناول فطوري ولن أخرج الآن، لكنني فكرت أن أستبق الوقت، وأجهز لحضور (عبد المقصود)؛ كي نترافق.

   استطرد متململاً في وقفته:

   - ليلى، هل لي أن أشارككما القهوة والحديث؟

   رمقته ليلى بنظرة ماكرة، ابتسمت:

   - طبعاً يمكنك ذلك... ما لم تمانع رضوى.

   أجابت رضوى ببهجة :

   - قطعاً... لا مانع لدي.

   جلس أحمد على الأريكة المقابلة لرضوى، سألها وهو يلمح مجموعة شعرية لـ(نزار قباني) في يدها :

   - ما هي اهتماماتك الأدبية يا رضوى؟

   - في النثر أحب أن أقرأ لـ(نجيب محفوظ)، وفي الشعر أحب أن أقرأ لنزار قباني.

   - جميل... نحن نتشارك بذات الاهتمام في النثر والشعر.

   قطع وصال حديثهما منبه سيارة انبعث من أسفل المبنى، اقترب أحمد من النافذة؛ دفع بكفه شباك النافذة، فتح دفتي الشباك، اقترب من أيقونة النافذة، أحنى رأسه نحو الأسفل، نظر نحو الشارع حيث استمر منبه مركبة عبد المقصود، ليبيّن لأحمد أنه على عجلة من أمره، أشار أحمد لعبد المقصود بالتأني، أغلق النافذة، اتجه صوب رضوى يستأذنها بأسف :

   - أستأذنك يا رضوى.

   صاحت به ليلى وهو يتجه صوب الباب :

   - لم تفطر!
   رد بمرح ومكر وهو يميل برأسه :

   - لقد شبعت.

   وقف عبد المقصود متكأ على باب سيارته، خرج أحمد من المبنى ضجراً.

   - يا أخي أقلل من ضجيجك حين تمر بي، أصبح الجيران على علم بوقت مرورك لتصحبني.

   أجابه عبد المقصود ساخراً:

   - يا عمي إركب... أحلى ما في هذه الدنيا الضوضاء التي نخلقها حين نمر بمكان ما؛ لنذكر الناس بنا.
   انطلقت السيارة بهما، في زحمة الشارع المكتظ بالمارة والمركبات. أسند أحمد رأسه على مسند الرأس، دندنت أغنية مبهجة داخل مسجـِّل المركبة، بدا على عبد المقصود الضجر وهو يقود المركبة وسط زحام مروري، راح يرمق ساعته بين الفنية والأخرى، ويهز رأسه زاماً شفتيه، تنهد:

   - مشكلة كل يوم تتكرر... زحام... زحام... مزعج، سنتأخر على المحاضرة الأولى حتماً.

   بدا أحمد شارد الذهن، تخيّل لحظات لقائه برضوى، صوتها حاضر في أذنيه: "في النثر نجيب محفوظ... في الشعر نزار قباني..." وقفت المركبة فجأة، عاد إلى وعيه حين قال له عبد المقصود :

   - صباح الخير يا صديقي... أين أنت؟ أين سرحت؟

   - هل وصلنا؟

   - طبعاً وصلنا، وكيف ستعرف أننا وصلنا! وأنت سارح الذهن شارد؟!

   شهق أحمد نفساً عميقاً :

   - كنت شارداً في حلم جميل... مع قلبي الذي بدأ يخفق.

   - أنزل يا أحمد، تأخرنا على المحاضرة الأولى، لنا حديث الليلة عن موضوع قلبك هذا الذي بدأ يخفق... هيا انزل.

   نزلا من السيارة وغابا في حشد من الطلبة.

***

   قاعة محاضرات كبيرة في مبنى الجامعة، جلس أحمد في مقعد بين حشد من الطلبة؛ أحنى رأسه على أحد الكراريس، مد يده تحت الكراس، سحب كتيباً صغيراً هو مجموعة شعرية لنزار قباني، همس وهو يقرأ عنوان المجموعة (قصائد متوحشة). قلّب الصفحات، وقعت عيناه على قصيدة، قرأها في سره:

(أحبيني.. بلا عقد
وضيعي في خطوط يدي
أحبيني... لأسبوع... لأيام... لساعات
فلست أنا الذي يهتم بالأبد)

   تراءت له وهو يقرأ، عينا رضوى ترمقه بنظرة خجلة، أمسك القلم، رسم دائرة حول الكلمات التي قرأها، أغلق الكتيب، دسه أسفل الكراس.

***

   أمام إحدى الطاولات، جلس أحمد في الحديقة، ألقى كتبه على الطاولة، اتجه عبد المقصود صوبه، سحب كرسياً ليجلس عليه، نظر إلى أحمد، سأله :

   - ما بالك يا أحمد؟ لست على طبيعتك... ثمة خطب يشغل بالك.

   - نعم... قلبي مشغول يا عبد المقصود، شغلت قلبي وملأت فكري.

   - من هي يا أحمد؟ ما رأيتك تخاطب فتاة في الكلية.

   تنهد أحمد :

   - هي من كلية أخرى، صديقة أختي، تزور أختي عندنا في البيت.

   - جميل.

   انثنى عبد المقصود، قام من كرسيه.

   - هيا لنذهب الآن، ولتكمل لي حديثك في الطريق أيها العاشق.

   لملم أحمد كتبه من الطاولة، مضى خلف عبد المقصود.

***

   دخل البيت وقد بدا عليه التعب، مشى ببطء متجهاً إلى غرفته، مر بجانب المطبخ، لفتت أمه انتباهه وهي تعد طبخة، وقف برهة ثم دخل المطبخ، رحبت به.

   - أهلاً بك يا بني... كيف حالك ؟

   اتجه أحمد صوبها وقف بجانبها، أمسك رأسها، قبـّله، بدا عليه الارتياح.

   - كان الله بعونك يا أماه.

   - ربي يحفظك من كل مكروه يا بني؛ ويسعدك مع بنت حلال تريح بالك.

   - آمين.

   - غيّر ملابسك، ريثما أعد لك الغداء.

   أمسك أحمد بيد أمه، قبـّلها، انسحب خارجاً من المطبخ. ابتسمت أمه وحاجباها يرتفعان إلى أعلى بتعجّب، رفعت كفيها، دعت :

   - يحفظك الله يا بني، ويوفقك في دراستك ويرزقك بنت الحلال.

   دخل أحمد غرفته، أغلق الباب، اتجه صوب النافذة، فتحها، هبت نسمة هواء، أخذ نفساً عميقاً، اتجه إلى طاولة قرب النافذة، ألقى كتبه، قلـّبها، سحب الكتيب الصغير، قلب صفحاته، وقعت عيناه على مقطع شعري، ردده في سره :

(أحبيني.. بكل توحش التتر
بكل حرارة الأدغال
كل شراسة المطر...
ولا تبقي ولا تذري...
ولا تتحضري أبداً... فقد سقطت على شفتيك
كل حضارة الحضر... أحبيني)

   أغلق الكراس، اتجه صوب شماعة الملابس، فتح أزرار قميصه... سمع أمه تنادي :

   - أحمد... ليلى... الغداء جهاز.

   خرج أحمد من غرفته يزر القميص، وصل الطاولة، تناول من يد أمه بعض الأطباق، رصها على السفرة، تقدمت ليلى، جلست على الطاولة، تأكل على عجل.

   - ماما... سآكل بسرعة، اتفقت ورضوى أن تزورني مبكرة اليوم، ينتظرنا الكثير لنقرأه.

   تلكأ أحمد:

   - هل ستزورك رضوى اليوم ؟

   أومأت ليلى برأسها بينما فاها ممتلئاً بالطعام :

   - نعم ستزورني... ربما بعد لحظات... هكذا اتفقنا.

   رن جرس الباب، انتفضت ليلى من مكانها:

   - ربما هي رضوى.

   قامت لتفتح الباب، ألح أحمد عليها لتكمل غداءها.

   - أنا سأفتح الباب، ربما ليست رضوى، ليس من اللائق أن تفتحي الباب وفمك ممتلئ بالطعام هكذا... اجلسي عزيزتي.

   اتجه صوب الباب ليفتحه، وقف أمام الباب برهة، عدّل هندامه، رتب شعره بأصابعه، شهق نفساً ثم زفر، أغمض عينيه، وضع كفه على قلبه، ثم على مقبض الباب، فتح الباب، ظهرت رضوى خلف الباب، بابتسامة مشرقة :

   - مساء الخير يا أحمد.

   رد أحمد وقد بدا مرتبكاً:

   - مساء النور... أهلاً رضوى.

   بنبرة خجلة، قالت رضوى:

   - آسفة على الإزعاج، اتفقت مع ليلى لنبدأ اليوم في وقت مبكر، حتى لا أتأخر في العودة إلى البيت، تأخـُري يغضب والدي.

   نظر أحمد في عينيها.

- أي إزعاج؟ أنتِ كنسمة تشرين، عليلة تدخل القلب دون استئذان، وبيتنا وقلوبنا تشتاق هبوبك في أي وقت.

   لمعت عينا رضوى خجلاً، أخذت نفساً :

   - هل ستسمح لي بالدخول من فضلك ؟

   - أسف يا رضوى، فرحتي بوجودك أنستني أنك ما زلت عند عتبة الباب.

   تنحى جانباً ليفسح المجال لرضوى كي تدخل، مرت بجنبه، شم عطرها بنفس عميق، مضت، أغلق الباب، وقف برهة، اتكأ على الباب، أغمض عينيه، بدا عليه الارتياح والفرح.

   دخلت رضوى إلى الصالة، وقفت قرب طاولة الطعام، أشارت ليلى إلى رضوى وهي مستمرة بالأكل:

   - تفضلي يا رضوى شاركينا الغداء.

   - شكراً يا ليلى... أكلت في البيت.

   جلست رضوى على الكرسي المجاور لليلى، ربتت على كتف ليلى:

   - كفي يا ليلى عن التهام الطعام وعجلي.

   - طيب يا رضوى، فقط لأشبع قليلاً.

   - والله... بعد ساعة فقط ستقول "أنا جائعة".

   قامت ليلى من مكانها:

   - هيا يا بنت قومي، سنشرب الشاي في الغرفة، تعالي ورائي.

   سارت رضوى وراء ليلى، اتجهتا صوب غرفة ليلى، جلس أحمد على الأريكة المقابلة للطاولة، لف ساقاً على ساق، أمسك كتاباً بيده، لبس نظارة قراءة، نظر من أعلى إطار النظارة، رمق رضوى وهي تمر، لم يرفع عينيه عنها حتى غابت عنه خلف الباب.
   قالت له أمه:

   - غداؤك سيبرد يا بني، تعال أكمل غداءك.

   رد أحمد على أمه باسماً وقد بدا عليه الارتياح :

   - شبعت يا أمي... أحس بالشبع.

***
   صوت طرقات على الباب، يقطع على ليلى ورضوى الهدوء الذي صاحبهما وهما منغمستان في القراءة، نادت ليلى بصوت عالٍ:

   - أدخل.

   انفتح الباب، دخل أحمد، تقدم نحو ليلى ورضوى :

   - ليلى اشتهي قهوتك كثيراً، فانتِ بارعة في صنعها. هلا أعددتِ لنا القهوة؟

   رمقت ليلى أحمد بنظرة ماكرة:

   - طيب... كما تريد. سأعد لك القهوة، لكنها المرة الأولى في حياتي التي أعرف فيها أن قهوتي تعجبك إلى هذا الحد!

   غمزت لأحمد بعينها، مضت خارج الغرفة، دنا أحمد من رضوى، سحب كتيباً صغيراً من جيب سرواله، مد يده ليناول الكتيب لرضوى، رفعت رضوى رأسها، نظرت إلى أحمد :

   - أ هو لي؟

   - نعم... هو لك.

   - شكراً.

   تتناول الكتيب من يد أحمد، قلبت صفحاته، بفرحة قالت :

   - الله يا أحمد، كم أحب هذه المجموعة... شكراً... شكراً لك.

   - ثمة بعض الكلمات، علّمت عليها، أرجوكِ اقرئيها جيداً، حتى يغمرك الإحساس بها، كما غمرني.

   لمعت عيناها، احمرت خجلاً، ردت :

   - قطعاً... ستغمرني إحساساً.

   دخلت ليلى، قطعت حوارهما:

   - أ ما زلت تريد القهوة يا أحمد؟ أم أنك شبعت من القهوة كما الغداء؟!

   وضعت صينية القهوة على الطاولة، رمقت أحمد ورضوى بنظرة قاصدة، مد أحمد يده ليتناول فنجان قهوة، رفعه إلى شفتيه، رشف أولى رشفة من الفنجان، قال وهو مغمض العينين:

   - إنها قهوة بالعسل من يديك... يا ليلى.

   نظرت رضوى إلى ليلى باسمة، تبادلتا النظرات، والبسمات.

***

   تبدو حديقة الجامعة أكثر زهواً، ثمة طاولات تحت مظلات الشمس، تجلس رضوى على كرسي بجانب إحدى الطاولات، تمسك الكتيب الصغير الذي أهداه لها أحمد، تقرأ في سرها بعض القصائد؛ ترسم خطوطاً حول كلمات في بعض الصفحات.

(أنا تشرين... شهر الريح
والأمطار... والبرد... أنا تشرين...)

   تهادى إليها همس قريب وهي منغمسة بالتأمل والقراءة :

   - رضوى... رضوى.

   التفتت حولها بحثاً عن مصدر الصوت، تفاجأت بأحمد يقف بالقرب منها، قالت مندهشة :

   - أحمد؟! ما الذي جاء بك هنا؟

   - قلبي يا رضوى.

   ردت بهمس:

   - أحسه يا أحمد... قلبك يخفق لي... أسمع خفقانه حين أكون قربك.

   ردد كلمات قصيدة، وهو يقترب منها اكثر:

   (أحبيني... وقوليها
لأرفضُ أن تحبيني بلا صوت
وأرفض أن أواري الحب
في قبر من الصمت
أحبيني... بعيداً عن بلاد القهر والكبت)

***

   بلغ الحب ذروته؛ مرت ليالٍ تلهب جمر الأشواقٍ بين رضوى وأحمد، الذي جلس يتفقد قصاصات الذاكرة حين فتح كراساً، ليكتب فيه، على جانبه الأيمن مذياع، على الطاولة كتب مرصوفة بشكل غير نظامي، بجانبه قدح شاي، وأباجورة صغيرة تضيء مساحة من صفحة الكُراس. وقع طرقات متقطعة ناعمة على الباب؛ أذن:

   - تفضل.

   فتح الباب بهدوء، دخلت ليلى بتردد، مطأطأة الرأس، سارت نحو أحمد، وقفت إلى جانبه برهة:

   - مساء الخير يا أحمد.

   - مساء النور... أهلا يا ليلى... ما بك يا عزيزتي؟ أراك حزينة!

   بوجهها العابس أجابت:

   - رضوى يا أحمد.
   نهض أحمد من مكانه، قال فزعاً:

   - ما بها رضوى يا ليلى؟
   صمتت ليلى قليلاً، أمسكها أحمد من ذراعيها بضجر:

   - تكلمي... تكلمي يا ليلى، ما بال رضوى؟

   رفعت ليلى رأسها، ردت بانفعال:

   - رضوى ستتزوج يا أحمد... أهلها سيجبرونها على الزواج.

   دُهش أحمد:

   - وهل هي موافقة على هذا الزواج؟

   - هي أبلغتني أن أخبرك، قالت إن عليك أن تتقدم لخطبتها، لأن ظروف أهلها الطاحنة تقف دون إكمال دراستها، أو أن تبقى بلا زواج، هم يجبرونها على الزواج يا أحمد ليتخلصوا من عبئها.
   اقترب أحمد من عتبة باب الشرفة، تعرق وجهه، انسابت نقاط العرق على ذقنه، أمسك حافة باب الشرفة بيده، عض على أصبعه، التفت إلى ليلى، أجابها بإصرار:

   - يجب أن أتقدم لخطبتها... لن أتخلى عنها... لن أتخلى عنها.
   دفع الباب بيده، خرج إلى الشرفة، داعبت نسمة خاطفة ستارة الشيفون البيضاء، استدار مسرعاً، دخل الصالة مرتبكاً، كانت أمه تجلس على الأريكة المقابلة لجهاز التلفزيون، بدت مشدودة إلى برنامج على التلفزيون، اقترب منها:

   - يجب أن تساعدينني يا أماه.

   إلتفتت إليه، عقدت حاجبيها:

   - أساعدك؟!... بماذا؟

   جلس أحمد قرب أمه على الأريكة، أمسك بيديها، قال بنبرة توسل:

   - أرجوك يا أمي، ساعدني في حل مشكلة رضوى.

   ردت الأم بدهشة:

   - رضوى؟! ما بال رضوى؟

   - أنا أحب رضوى يا أمي، وستتزوج مجبرة، أهلها يجبرونها على ذلك، أريد خطبتها الآن، كي أوقف هذا الزواج.
   أجابته أمه بنبرة غاضبة:

   - حب... أي حب وأنت ما زلت طالباً في الكلية؟ ألم تفكر بأختك؟ نفسك؟ كيف ستتدبر مصاريف الزواج.

   انتفض أحمد من مكانه، ارتسم الحزن على ملامحه، عض شفتيه، وقفت أمه بجانبه، نصحته:

   - أحمد... اترك رضوى لقدرها، والتفت إلى مستقبلك، ما تريده ليس مناسباً لك الآن، ما زال الوقت مبكراً على هذه الأمور.

   رمقها أحمد بنظرة غاضبة، تركها واقفة، أسرع صوب غرفته، مر بليلى، نظر إليها بيأس، طأطأ رأسه، دخل الغرفة، صفق الباب وراءه بغضب، نظرت ليلى إلى أمها بألم وحزن، انطلقت بخطوات سريعة صوب غرفتها، جلست الأم على الأريكة، لفت ساقاً على ساق، عادت إلى متابعة البرنامج المعروض في التلفزيون.

   ردد أحمد في سره:

   - يبدو أن رضوى حلم بعيد المنال... ويبدو أنني أعيش الحلم أكثر من الواقع؛ كما قالت أمي. كيف سأتدبر أمر خطبتها، وما زلت طالباً لا أتدبر أمر نفسي؟ ربما ستسعد مع غيري، سنتألم نحن الاثنين في البداية... وبعدها ستكون هي سعيدة.

***

   في مقهى شعبي مكتظ بالشباب، ثمة صور بالأسود والأبيض معلقة على حائط المقهى، تبين المقهى قبل ثلاثة عقود، صوت المذياع يملأ المقهى بأنغام اغنية لأم كلثوم (فات الميعاد... وبقينا بعاد...). تحت الصورة طاولة، جلس حولها أحمد وصديقه عبد المقصود، مز أحمد نفساً من أنبوبة الشيشة؛ قرقع جوف الشيشة؛ زفر أحمد الدخان، على الطاولة قدحان من الشاي، انغمس أحمد في قراءة جريدة. عند باب المقهى، ظهر شاب، يرتدي قميصاً مخططاً وبنطال جينز، تقدم نحو أحمد وعبد المقصود، بدا مضطرباً وعلى جهه علامات قلق، وقف على مقربة من أحمد، انحنى على أحمد، قرّب فمه من أذن أحمد، قال بصوت خافت :

   - هناك خبر لن يسعدك.

   رد أحمد فزعاً:

   - هات ما عندك يا إبراهيم، منذ يومين وقلبي يعلمني بمصيبة ستحدث.

   رفع إبراهيم رأسه، عدل قوامه، تنهد، انحنى من جديد:

   - رضوى... إبنة الحاج إسماعيل... وافتها المنية صباح اليوم.

   ذُهل أحمد، سقطت من يده الجريدة على الأرض، حاول أن ينهض من مكانه، انهار جسده على الكرسي، حار جواباً من شدة الصدمة.

***

   خيمة عزاء، قرآن كريم يُتلى على مسامع الحاضرين في العزاء، وجوه الحاضرين بدا عليها الحزن، عند زاوية في نهاية الخيمة جلس أحمد، عن شماله عبد المقصود وعن يمينه إبراهيم، بدا أحمد منهاراً، عيناه مغرورقتان بالدموع، لحيته نابتة، نظر عبد المقصود إلى أحمد، لف ذراعه الأيمن على كتف أحمد، قرّب وجهه من أذن أحمد، قال بصوت خافت :

   - حافظ على هدوئك يا صديقي، حتى لا يحس زوج رضوى وأهلها... أدعُ لها بالرحمة، ولا تحمل نفسك ما لا طاقة لك به.

   - يرحمها الله... ما سكنت امرأة قلبي بعدها، وإن تمُت فهي تعيش معي في قلبي، وتسكن روحي.

   عقـّب عليه إبراهيم:
   - لنذهب من هنا، يكفي إلى هذا الحد... قم يا أحمد لنغير المكان حتى ترتاح قليلاً.

***

   تنهد أحمد، تناهت إليه ذكرياته مع رضوى، اغرورقت عيناه وهام حزناً، جلس على كرسي في المقهى، اتكأ على الطاولة، رشف شاياً، قلّب صفحات جريدة، اقترب منه طفل في السابعة من عمره، يحمل بيده ورقة.

   - يا عم... يا عم.

   التفت إليه أحمد، ابتسم له:

   - أهلا يا صغيري... نعم، ماذا تريد؟

   ناوله الصبي ورقة، فتح أحمد الورقة، قرأ محتواها، دهش، طوى الورقة، سأل الغلام:

   - من أعاطاك إياها؟

   التفت الصبي إلى وراءه قائلاً:

   - تلك السيدة.

   تلفـّت يمنة ويسرة، استطرد:

   - كانت تقف هناك، أعطتني 20 جنيهاً وطلبت أن أسلمك هذه الورقة.

   ركض الصبي وترك أحمد الذي تسمّر في مكانه، وقد بدت عليه دهشة أكبر، فتح الورقة مرة أخرى، أعاد قراءتها، ردد ما كتب على الورقة: " لماذا تخليت عني؟ إذا كنت تعرف أني، أحبك أكثر مني... لماذا؟ "

   رفع عينيه عن الورقة، طواها بين يديه بدهشة، قال :

   - أنه خط رضوى... خطها!

   دس الورقة في جيبه، أخرج من الجيب الآخر بعض النقود، ألقى بها على الطاولة، ترك المكان ومضى على عجل وهو مرتبك.
   فتح الباب الرئيس، دخل مسرعاً، ألقى بالجريدة على الأريكة القريبة من الممر المؤدي إلى غرفة ليلى، نادى بصوت عالٍ.

   - ليلى... ليلى.

   دخل غرفة ليلى وهي جالسة على الطاولة، تكتب في أحد الكراريس، الكتب مبعثرة على جانبيها، فتح الباب بشكل مفاجئ :

   - ليلى... أين انت يا ليلى؟

   انتصبت بقلق:

   - أحمد... ما بك؟! ما الذي حدث؟

   مسح العرق عن وجهه، أمسك الطاولة بيديه، مد يده إلى جيبه، أخرج الورقة، أعطاها لليلى، تناولتها منه:

   - إقرأيها يا ليلى.

   نظرت ليلى إلى أحمد، فتحت الورقة، قرأت الكلمات، مشت بخطوات بطيئة.

   - (لماذا تخليت عني؟ إذا كنت تعرف أني، أحبك أكثر مني... لماذا؟).

   رفعت عينيها عن الورقة، نظرت إلى وجه أحمد:

   - هذه كلمات نزار قباني.

   أجابها أحمد:

   - نعم... ولكن بخط من كتبت هذه الكلمات؟ أ لا تذكرين؟

   اقترب أحمد من ليلى، أمسك بالورقة، ارتعشت يداه وهو يقرب الورقة أكثر من وجه ليلى قائلاً:

   - أنظري جيداً يا ليلى... أ لا تذكرين خط صديقتك؟ ها... أنظري.

   أمعنت ليلى النظر في الورقة، قطبت حاجبيها، بدهشة:

   - إنه خط رضوى... نعم رضوى، لكن أين وجدت هذه الورقة يا أحمد؟

   - وصلتني اليوم بيد صبي، وأنا جالس في أحد المقاهي، قال لي أن ثمة امرأة أعطته 20 جنيهاً وطلبت منه ان يعطيني هذه الورقة، بالتأكيد هي رضوى يا ليلى.

   - نظرت ليلى إلى أحمد بحزن:

   - رضوى ماتت يا أحمد، وهذا واقع، أنا وانت ذهبنا إلى العزاء، إنسَ رضوى يا أحمد، أدعُ لها بالرحمة.

   نظر أحمد إلى ليلى نظرة غاضبة، صك أسنانه، سحب الورقة من يد ليلى، مضى نحو باب الغرفة، التفت إلى ليلى، ثم مضي إلى غرفته منزعجاً.

   مشى ببطء نحو سريره، ألقى بجسده عليه، أمسك الورقة بين يديه، شمها بنفـَس عميق، ردد في سره:

   - حتى العطر... هو ذاته عطر رضوى.

   نهض عن السرير، اتجه إلى الطاولة، جلس على الكرسي، أسند رأسه بيديه على الطاولة، بدا على وجهه الخوف والقلق، أتاه صوت رضوى يترنم بكلمات القصيدة: ( لماذا تخليت عني؟ لماذا؟ لماذا؟). غطى وجهه بكفيه، دفع أصابعه إلى الخلف، خلخل بأصابعه خصل شعره، أغمض عينيه، سالت دمعة على خده حتى ذقنه؛ ردد:

   - تخليت عنك يا رضوى... نعم تخليت.

***
   رن جرس الباب متقطعاً، فتحت الأم الباب لتستقبل عبد المقصود بأمل حين حياها:

   - السلام عليكم يا خالة.

   - وعليكم السلام يا بني... الله أرسلك لي في الوقت المناسب.

   - خيراً إن شاء الله، يبدو عليك القلق.

   - أحمد يا بني... يقلقني، لا ينام ليله ولا يأكل أكله، يبدو منهكاً هزيلاً حزيناً، حرت في أمره، أدخل إليه وتحدث معه.

   حين ولج عبد المقصود الغرفة، نهض أحمد من مكانه، احتضن عبد المقصود، ربت على كتفيه:

   - أهلا يا صديقي أشتقت لصحبتك.

   - وما منعك عنها؟

   - الحزن والرغبة بالعزلة.

   - إرفع عنك الحزن... أنت مؤمن يا أحمد.

   جلس أحمد على السرير مد يده نحو درج السرير، أخرج الورقة من الدرج، ناولها لعبد المقصود:

   - افتحها وأقرأ.

   تناولها عبد المقصود، قرأها وتساءل:

   - ما القصد من هذه الورقة؟

   - وصلتني من رضوى منذ أيام.

   دهش عبد المقصود:

   - يا رجل! هل جننت؟ رضوى ماتت، وأمي شاركت في غسلها. وإن لم تصدق؛ فأذهب إلى قبرها.

   أمسك عبد المقصود بأحمد من ذراعيه، استطرد:

   - أحمد... عد إلى رشدك، أمك تتألم من أجلك.

   انتفض أحمد، قال بنبرة غاضبة:

   - ما زلت على رشدي يا عبد المقصود... ولكن ما من أحد يصدقني.

   - غيّر ثيابك وتعال معي، سأذهب بك إلى الحي الذي كانت تسكنه رضوى، سنمر بقبرها لترى بأم عينيك.

***

   سهم أحمد بوجه عبد المقصود، بدا التعب على أحمد، جلس إلى جانب عبد المقصود وهو يقود السيارة:

   - أ لم أقل لك يا أحمد... ها انت رأيت بأم عينيك، وتحدثت إلى أهل الحي، وأكدوا لك وفاتها.

   توقفت السيارة، فتح أحمد باب السيارة، تهيأ للنزول:

   - تصبح على الخير، وشكراً على تحملك إياي طوال الطريق.

   نظر عبد المقصود إلى أحمد، ربت على كتفه.

   - حباً بالله يا أحمد؛ حاول أن تنم جيداً.

   هز أحمد رأسه موافقاً، نزل وأغلق باب السيارة، راقبه عبد المقصود حتى غاب داخل المبنى.

   دخل غرفته منهك القوى يائس الطلة؛ فارداً جسده على السرير، غط في نوم عميق. رن جرس الهاتف، نهض من نومه فزعاً، مد يده نحو دُرج قرب السرير، تحسس سطح الدرج، أمسك بالهاتف، نظر إلى رقم المتصل.

   - نعم... نعم.

   أجابه صوت رقيق خافت.

   - أحمد... أحمد.

   فز من مكانه، جلس منصتاً.

   - أحمد... أحمد.

   - نعم... من المتصل؟

   - غداً عند الحادية عشرة ليلاً، أنتظرك على جسر (زفتى) أريد أن أراك... لا تتأخر.

   انقطع الاتصال، انتفض من فراشه، بدا عليه الخوف والقلق، عاود الاتصال برقم المتصل عدة مرات، أتاه الرد من شركة الاتصالات :

   - الرقم المطلوب خارج الخدمة.

   عاد إلى فراشه، بقي مستيقظاً حتى الصباح.

***
   خرج أحمد من غرفته وقد بدا عليه التوتر، كانت أمه وليلى على الطاولة تتناولان الفطور، اتجه على عجلة من أمره صوب باب الشقة الخارجي، بدت الدهشة على الأم وليلى، قالت ليلى:

   - ما خطب أحمد؟! خرج وكأنه لم يرنا جالستين أمامه.

   ردت الأم:

   - أحمد يقلقني كثيراً، حاله لا تعجبني هذه الأيام.

   تركت ليلى الطعام من يدها، نظرت إلى أمها وقد بدت عليها علامات الحيرة.

***

   تحلّق مجموعة من الشباب حول طاولة في المقهى، يتبادلون الحديث والضحك، مع لعبة الطاولة؛ صوت زهر النرد يرتطم بالطاولة، علا صوت عبد المقصود بين الشباب، دخل أحمد من باب المقهى، وقف عن بعد، ينادي على عبد المقصود.

   - عبد المقصود.

   التفت إليه عبد المقصود، أومأ له أحمد بإشارة، كي يقترب منه. ابتعد أحمد عن الباب، لحق به عبد المقصود، أمعن النظر في وجه أحمد، الذي بدا عليه التعب والإرهاق والقلق.

   - خيراً يا أحمد ما بك؟ تبدو منهكاً.

   - لم أذق طعم النوم منذ منتصف الليل.

   - لمَ؟!

   - جاءني اتصال بعد منتصف الليلة، من رقم خاص.

   - ما نوع هذا الاتصال ليرهقك إلى هذا الحد؟

   تلكأً أحمد:

   - صوت غير واضح، يبدو لي أنه صوت امرأة قالت لي "غداً عند الحادية عشرة ليلاً، أنتظرك على جسر (زفتى) أريد أن أراك... لا تتأخر". كأنه صوت رضوى يا عبد المقصود.

   رد عبد المقصود غاضباً:

   - إلامَ يا أحمد ستبقى بهذه الهلوسات؟ متى ستعود إلى رشدك؟

   - ليست هلوسات، ولست مجنوناً، أريدك أن تأتي معي الليلة لأثبت لك صحة كلامي.

   صمت عبد المقصود برهة، وضع يديه على خصريه، تنهد:

   - حسناً... سآتي معك، وأتمنى ان لا تثبت لي شيئاً؛ حتى ننتهي من هذا الموضوع.

   - سأمر بك الليلة، قبل الموعد بنصف ساعة... انتظرني.

   هز عبد المقصود رأسه موافقاً، نظر إليه أحمد بتحدٍ، تركه ومضي، تنهد عبد المقصود، تلفت يميناً وشمالاً وقد بدا عليه القلق، استدار وعاد إلى الحلقة داخل المقهى.

***

   الجسر الذي يربط بين طرفي المدينة، مضاء بمصابيح ضيئلة الإنارة، ما بين الفينة والأخرى تمرق سيارة على الجسر، ليس سوى صوت هدير محركات السيارات، البرد قارص، وقف أحمد عند أول الجسر، جلس عبد المقصود داخل سيارته المركونة، ضم أحمد ذراعيه على صدره، ارتعش برداً، صوت صفير الهواء، يزيده ارتعاشاً؛ يبدو عليه القلق وهو يتلفت باحثاً عن شيء ما، هبت نسمة هواء، تحركت خصلات شعره، نزل عبد المقصود من السيارة، خطا نحو أحمد بتباطؤ، فتح حدقتي عينيه على اتساعهما، تهدل فمه دهشةً، وقف متسمراً في مكانه، أشار لأحمد بأصبعه، نظر أحمد صوبه.

   - أحمد... أنظر خلفك هناك.

   التفت أحمد خلفه، تغيرت ملامحه إلى البهجة والدهشة صاح:

   - رضوى... رضوى.

   التفت إلى عبد المقصود، أكد:

   - أ لم اقل لك إنها رضوى؟

   لم يستطع عبد المقصود التفوّه، فر هارباً إلى السيارة. يركض أحمد وراء شبح رضوى التي تلبس ملابس عصرية، نظرت إليه، ابتسمت له، التفتت، مضت وتركته، ركض أحمد وراء شبحها، لهث، لا يكاد يبلغها، ركض بينما كانت هي تمشي بخطوات بطيئة هادئة، نادى على شبح رضوى وهو يركض :

   - تعالي يا رضوى... انتظريني... خذيني معك.

   تعب، سقط على الرصيف منهاراً، رفع يده، استمر بمناداة رضوى حتى غابت عنه في عتمة الظلام.

***

   شاشة تلفزيون كبيرة داخل المقهى، مجموعة من الشباب تجمعت حول التلفزيون، تابعوا مشاهد من مباراة بكرة قدم، شدتهم اللعبة، علا صراخهم، قفزوا مع قفزات اللاعبين، دخل أحمد من باب المقهى وقد بدا حاله أفضل، نظر إليهم، التفت إليه عبد المقصود وهو جالس مع المجموعة، قام من مكانه، اقترب من أحمد، ابتسم أحمد في وجه عبد المقصود، تعانقا، ربت عبد المقصود على كتف أحمد.

   - هون عليك يا صديقي... تعال معي، إجلس هنا واستمتع بحياتك... تعال.

   نظر أحمد إلى عبد المقصود، لمعت عيناه، هز رأسه موافقاً، دخلا المقهى، جلسا على كرسيين يتابعان المباراة بشيء من المرح، انفعل أحمد مع المجموعة، انتهت المباراة، تفرق الجمع، اقترح أحمد على عبد المقصود:

   - هل تذهب معي للصلاة في مسجد سيدنا الحسين؟

   - على الرحب والسعة، لنتوكل على الله.

   أنهى أحمد صلاته، تراجع إلى الوراء، اتكأ على أحد أعمدة المصلى، أغمض عينيه وقد بدت على ملامحه الراحة، غفا برهة، ولج في حلم.

   (حديقة واسعة خضراء، أطفال يلعبون حول بئر ماء، رجل يسقي الأطفال من البئر، يتقدم أحمد طالباً من الرجل أن يسقيه، يربت الرجل على كتف أحمد، يسقيه ويقول:

   - هذا بئر الأماني... أطلب وتمنى، عسى الله أن يحقق لك أمنيتك.

   - اتمنى أن أرى جدتي ورضوى.

   ينظر الرجل إلى أحمد، يبتسم).

   فز أحمد من نومه على صوت عبد المقصود:

   - هيا يا أحمد، إنهض، سأقلك إلى البيت لترتاح هناك.

   كان الوقت صباحاً، حين دخل أحمد من باب الحديقة، شاهد أطفالاً يلعبون، مشى بين الشجيرات، ردد في سره.

   - اشتاق إليك يا جدتي كثيراً، أنت ورضوى... قلبي يشتاق إلى رؤيتكما، وعقلي لا يصدق فكرة اللقاء بكما، مُتـّما وتركتما هذه الدنيا!

   هم أحمد بالخروج من الحديقة، مر بطفلة وأمها، سهمت الطفلة بإحدى الشجيرات، التفتت إلى أحمد وهو يسير في الطريق المؤدية إلى خارج الحديقة، ركضت وراءه، نادته.

   - يا أستاذ... يا أستاذ.

   التفت أحمد إلى الطفلة، قالت له:

   - هناك امرأة تناديك، تحت تلك الشجرة.

   التفت أحمد، اتجه إلى الشجرة، بدت عليه الدهشة، طاف حول الشجرة، لم يجد أحداً في المكان، تحدث مع نفسه قائلاً:

   - لمَ لم أسمع نداءها؟ لا، لا، يجب أن أرجع إلى عقلي، قبل ان أتـَّهم بالجنون.

   بدا أحمد مضطرباً، خرج من الحديقة مسرعاً. وصل مقر الشركة التي يعمل فيها ليلاً، فتح الباب، كان المكان مظلماً، شغل أحد المصابيح، اتجه صوب باب إحدى الغرف، فتح باب الغرفة، شغل مصباحاً خافتاً، تقدم نحو جهاز الكومبيوتر، جلس على الكرسي، ضغط على زر التشغيل، أضاءت الشاشة، نقرت أصابعه على أزرار الحاسوب، فتح صفحة للكتابة، بدأ بالكتابة، مد أصابعه لينضد الحروف، تحركت أصابعه بآلية، حدق في الشاشة وهو يكتب، مندهشاً:

   (لماذا تخليت عني).

   فتح عينيه على اتساعهما، ارتعشت أصابعه وكأن يداً تسحبهما، وتجبره على تنضيد حروف لم يألفها من قبل:

   (إصبر فأن الصبر من شيم الأبرار).

   سحب ظهره إلى الوراء، اتكأ على الكرسي، مسح وجنتيه واستعاذ:

   - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

   عاد إلى الكتابة لا إرادياً:

   (انا حولك، ولكنِ حزينة جداً منك... لماذا؟ لأنك تتجاهلني).

   أغلق جهاز الحاسوب، خرج مسرعاً من الغرفة.

   دخل البيت مضطرباً، صوت يخترق أذنيه يدور في رأسه:

   (اسمع... اسمع).

   دخل الغرفة، اتكأ على باب الغرفة، ردد بخوف:

   - يا ليت الأموات ما ماتوا وتركونا.

   تقدم نحو الكرسي أمام الطاولة، أمسك بالكرسي بقبضة يده، تردد صوت في أذنيه:

   (أنت انسان قاسٍ... لكنني ساعدتك).

   رد أحمد على الصوت وهو يلهث، ووجهه يلمع عرقاً:

   - من أنتِ؟

   (انت تعرفني... وما دمت تستخدم عقلك سيفشل الحوار).

   أجاب أحمد بصوت مترعد:

   - أخبروني الناس أنكِ شيطان يريد إضلالي وإذلالي... أو عقلي الباطن، يصور لي امنياتي... أعوذ بالله منك إن كنت شيطاناً.

   (هل أقرأ لك آية الكرسي، حتى تصدق أنني لست بشيطان؟).

   رفع رأسه إلى أعلى، دار حول نفسه، رد على الصوت :

   - قد تكون جنياً مسلماً... لست بفاسق.

   (والله يا أحمد، أنا موجودة معك منذ وقت ولم تحس بوجودي).

   طرق باب الغرفة بشدة، فتحت الأم الباب، دخلت الغرفة، وهي تقول لأحمد:

   - سأحضر لك الغداء يا بني... أ وتدري يا أحمد أن جدتك زارتني في المنام، وهي تلبس ثوباً أبيضَ وقد سألتني عنك.

   صمت أحمد، نظر إلى أمه بدهشة، التفت، اتجه صوب الطاولة، فتح المصحف الشريف، بدأ بتلاوة آي من القرآن الكريم، أتاه صوت في أذنيه وهو يقرأ، يقول له:

   (يفتح الله عليك).

   - هل تكلمتِ معي يا أمي؟

   أجابه الصوت يتردد صداه:

   - وهل هذا صوت... صوتك نشاز، وهناك أخطاء في التلاوة!

   هرول أحمد في أرجاء البيت، نادى على أمه، لم يجدها، دخل غرفته، سحب جواله من جيبه بيدين ترتعشان، حاول تثبيتها على أزرار الهاتف الجوال، اتصل بأمه:

   - أمي أين انتِ؟

   - أهلا يا بني... أنا في بيت خالتك الآن سأعود بعد ساعة.

   بدا عليه الخوف والذهول، أغلق خط الهاتف، التفت نحو باب الشقة، هرول إلى الباب، وهو يردد:

   - سلام قولاً من رب رحيم.

***

   دخل أحمد غرفته، تجول فيها متفقداً، بدا عليه الخوف، اقترب من النافذة، أغلقها بإحكام، توجه نحو سريره، ألقى بجسده على السرير، تناهى إليه صوت ضحك، قام من مكانه فزعاً، تلفت حوله باحثاً عن مصدر الصوت، نادى:

   - رضوى... رضوى... أ هذه انتِ؟ هذه ضحكاتك، أميزها من بين ألف ضحكة.

   رد عليه صوت خافت:

   (اهدأ... فانت دائماً تتشدق بالشجاعة، وها أنت أثبتّ أنك أمير الجبناء).

   - إطلاقاً، أنا لست بجبان... فإن كنت أنتِ رضوى فإنك ميتة.

   (من أحب وصبر فكتم؛ فهو شهيد، والشهداء لا يموتون... بل أحياء بين السماء والأرض، منزوعة من أرواحنا إرادة الخير والشر، نستمتع بملكوت الله).

   أجهش أحمد بالبكاء، سالت دموعه على خديه حتى بلغت ذقنه، توسّلها:

   - إظهري لي يا رضوى... أشتقتك.

   ساد الصمت، لا جواب... عاد أحمد بجسده إلى الفراش، أغمض عينيه، غط في نوم عميق من شدة التعب والإرهاق. انقشع الظلام، تسلل النور، دخل شعاع الشمس إلى الغرفة، فتح أحمد عينيه على ضوء النهار، بدت عليه علامات الراحة والطمأنينة، قام من فراشه، اتجه صوب الشرفة، فتح باب الشرفة، هبت نسمة هواء داعبت خصل شعره، رفلت حوله ستائر الشيفون البيض، استنشق نفساً عميقاً، فرد صدره ويديه، شعر كأنه إنسان يولد من جديد، نظر إلى نهر النيل من الشرفة:

   - ما أجمل الحياة... وما أجمل صباحك أيها النيل.

   تقدم نحو الشرفة، مط ذراعيه، أسند يديه على حافة الشرفة، نظر إلى نهر النيل، التفت يمنة ويسرة، حدّق في نهر النيل المتدفق منذ آلاف السنين.

ملاحظة
- القصة أعلاه من وحي تجربة واقعية.

0 تعليقات:

شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.