22 مارس 2010

بيت الأحزان

كانت القلعة تقف شامخة مهيبة مخيفة يخشى الناس جميعهم كبيرهم و صغيرهم حتى مجرد الاقتراب منها غير أن (أندرو) الصبي الهادئ الوديع ذو الستة عشر عاماً كان مجبراً على ذلك و لكن من الذي أجبر هذا الفتى اليافع على ذلك ؟ لا أحد ، إنها الظروف فحسب، فقبل عشرين يوماً فقط كان (أندرو) يعيش بمفرده في بيت أبيه – بعد وفاة والديه – و لم يكن يشاركه فى وحدته سوى (بور جيلا ) الخادم العجوز ذو الأصل الإسباني – و كان البيت قديماً صلباً متماسك الأركان، و لكنه لم يصمد كما صمد (بورجيلا) أثناء حروب الوراثة الإسبانية ، فتهاوى على حين غفلة من الزمن تاركاً كلاهما في العراء، و كان أمر (بورجيلا) هيناً فلديه قبيلة من الأبناء و الأحفاد ، و لكن (أندرو) ماذا عنه ؟! أين سيذهب ذلك المسكين الذي لا أحد له في الدنيا؟ ، حيث طرق كل الأبواب المتاحة له ، أبواب الأقارب و أقارب الأقارب و الأصدقاء و الجيران ، و جيران الجيران أيضاً، و لكن و لا بيت واحد فتح أبوابه أمام (أندرو) الوحيد المسكين.

- و بعد أن أغلقت المدينة كلها أبوابها فى وجهه ، لم يعد أمام (أندرو) إلا المناطق الخالية المحيطة بالمدينة، و هي تضم اختيارين :فإما أن يعيش فى المقابر التي تعج بالعفاريت و الأشباح و الكلاب الضالة المتوحشة، و إما أن يلوذ بـ(بيت الأحزان)! ،قلعة (بيت الأحزان) التي فر من جوارها مئات من القرويين فى بداية القرن ؛ و تركوا منازلهم خاوية على عروشها تحيط بالقلعة الرهيبة، كما يحيط الذباب بجثة القتيل !و لكن هل يملك هو ترف الاختيار ، لا بأس أيها الزمن القاسي، لا بأس أيتها القلوب المتحجرة – التي لا تعرف الرحمة – فلنذهب إلى (بيت الأحزان) ، فربما تكون أشباح القلعة و عفاريتها أكثر رحمة و شفقة من قلوب سكان هذه المدينة اللعينة !

- وهكذا جمع (أندرو) حاجياته – التي نجت من أنقاض بيته – و توجه إلى القلعة المذكورة ليودع (بور جيلا ) العجوز في بيت ابنه فقبله الرجل الطيب و وضع يده على رأسه وتلا صلاة كاثوليكية طويلة باللغة الإسبانية؛ ثم منحه هديتين :الهدية الأولى : صورة للقديسة (كريستينا ) شفيعة الصبية أما الهدية الثانية :فكانت عبارة عن مسدس ! و لكنه لم يكن مسدساً عادياً ؛ بل كان بالغ الضخامة وشكله غريب حقاً ؛ فرفع(أندرو) عينيه متسائلاً نحو العجوز الذي ربت بيده المعروفة على يد (أندرو) بحنان و قال له :"أحتفظ به !، إنه يحوى أنصاف بنسات فضية ؛ و هي تعويذة تحمى من الأرواح الشريرة ،ستحتاجها حتماً !".

أسطورة القلعة
بُنيت قلعة (بيت الأحزان ) فى بداية القرن الرابع عشر ؛ لتحرس الطريق الذي يصل مقاطعة (أسكس) بداخل البلاد ؛ و ظلت تؤدي مهمتها باقتدار طوال القرنين الـ 14 و 15 ، ثم أُخليت القلعة في الربع الأول من القرن الـ 16 لأسباب غير معروفة ؛ و قيل أيامها أن القلعة تحتوى على خطأ جسيم في تصميمها يمكن أن يؤدي إلى إنهيارها المفاجئ، و قيل أيضاً أن عملية الإخلاء تمت لأسباب أخرى بعيدة كل البعد عن الأخطاء الهندسية ! المهم أنه بعد أن أُخليت القلعة ظلت لفترة مزاراً و مقصداً مهماً لكل من ينزل بمقاطعة (أسكس) ، و لكن بعد أعوام خرجت شائعات كثيرة عن أحداث مخيفة تجري فى القلعة ، و كان مصدر هذه الشائعات هم السكان الذين يقيمون على مقربة من القلعة، و ملأت تلك الشائعات البلاد إلى الحد الذي قلل تدريجياً من عدد زوار (بيت الأحزان) حتى اختفى هؤلاء تماماً ، بعد أن أقدم سكان القرى المحيطة بالقلعة على هجر قراهم و بيوتهم و الفرار من جوار القلعة، و بمضي السنين ذاعت سمعة القلعة السيئة بين الناس ، حتى لم يعد أحد يجرؤ على مجرد الاقتراب من (بيت الأحزان)، أو الأراضي المحيطة بها ! وهكذا هُجرت القلعة الهائلة؛ التي كانت يوماً ما مصدراً لفخر و عظمة بلاط ملك عظيم ، و أصبحت مرتعاً للحكايات و الشائعات و الخرافات؛ التي يطلقها أناس لم يقضوا بين جدران القلعة ساعة واحدة، ولكن ما الشيء الرهيب الذي يمكن أن يدفع السلطات إلى إخلاء القلعة و تركها خاوية على عروشها ، و يدفع الناس إلى أن يروجوا كل تلك الشائعات و الحكايات و يرتجفوا لمجرد ذكر أسمها ؟!

(أندرو) في القلعة
فتح (أندرو) باب القلعة الرئيسي الخشبي الكبير ذي المصاريع الحديدية العملاقة، و لم يكن الباب موصداً بإحكام ؛ فقط كان مغلقاً برتاج خشبي خارجي مهشم و لم يحتاج من (أندرو) سوى جهد بسيط لدفعه وفتحه، الباب الضخم كشف عن بهو شديد الإتساع به مدفأة حجرية ضخمة محطمة في الواجهة، و تحيط بالمدفأة من الناحيتين أبواب صدئة مغلقة بسلاسل حديدية صدئة كذلك، و يوجد أيضاً سلم حجري بدون حاجز على يسار البهو و آخر على يمينه ، و كان البهو مليئاً بالفئران السمينة و الحشرات الزاحفة أما السقف و الحوائط فتتدلى منها خيوط العنكبوت في شكل أشبه بالثريات.

- تلفت (أندرو) حوله كثيراً و أخذ يتفحص المكان بعينيه جيداً، و حاول إقناع نفسه بتجربة فتح أحد تلك الأبواب الصدئة الموجودة على جانبي البهو لمعرفة ما الذي يوجد خلفه ولكنه غير رأيه فجأة وتوجه حاملاً حقيبته الصغيرة إلى السلم الذي على يسار البهو، و بعد تردد وضع قدمه على أولى درجاته، فقد قرر أن يستكشف أعلى القلعة أيضاً ليختار أفضل حجرة يقيم فيها !، لهث (أندرو) و هو يصعد السلم الذي بدا و كأنه سلم برج بابل ، لا نهاية له، فسقط مرتين و سالت الدماء على وجهه و أصابه تعب غريب ؛ حتى كاد يعدل عن الاستمرار و يهبط ثانية إلى بهو القلعة السفلى عندما لفت نظره ضوء غامض يشع من أعلى الدرج الذي سقط أسفله يئن و يبصق الدم !، لم يكن ضوء الشمس قطعاً فـ(أندرو) -و إن كان يرتدي نظارات طبية كأبيه – إلا إنه لم يكن أعمى، فرغم أن ضوء النهار ما زال يملأ جنبات القلعة إلا أن ذلك الضوء القادم من أعلى الدرج لم يكن ضوء النهار ولا نور الشمس بالتأكيد ، ولسبب غامض شعر (أندرو) برغبة غامضة في استكشاف الأمر ؛ و الإقتراب من مصدر هذا الضوء الغريب ،و قد أمدته قناعاته بمزيد من الشجاعة ، ألم تقل له أمه ذات مرة - و هي تقرأ له رواية "لي فانو" (كارميلا) أن الأشباح و الأرواح الشريرة لا تستطيع أن تظهر و الشمس مشرقة أبداً أبداً ، فصعد الدرج بأناة و هو يقوي من نفسه و يشدد عزمه، و بعد عدة درجات وجد نفسه أمام ممر طويل دامس الظلام تقع في منتصفه منضدة خشبية عتيقة ، فوقها مصباح مضيء بشمعة !، مصباح مضيء في القلعة المهجورة ؟! شيء غريب ! و لكن أليس من الممكن أن يكون أحد قد تسلل إلى القلعة و نسي المصباح فيها ؟ بل ربما كان شخص ما قد أجبرته ظروفه – مثل (أندرو) نفسه على اللجوء إلى (بيت الأحزان) والعيش فيه !و من الممكن أن يكون ذلك الشخص ما زال موجوداً بالقلعة، بل مؤكد أنه ما زال موجوداً بدليل المصباح ذو الشمعة!

- فرح (أندرو) لهذا الخاطر المفاجئ، بل و تمنى لو كان حقيقياً ، و قرر أن ينادى بصوت عالٍ لعل ذلك الشخص المزعوم يجيب على نداءه ! وتوجه إلى رأس السلم –الذي صعد فيه– ليكون في موضع يمكنه من إسماع نداءاته لأي شخص قد يكون متواجداً فى أى مكان بالقلعة ! ووضع راحتيه حول فاه و راح ينادي :"هووووووه ! هل من أحد هنا، هاللو ، هاللو ، هل من أحد هنا؟" و كرر نداءاته عدة مرات ؛ و في كل مرة كان يسمع صدى صوته يتردد عبر جنبات القلعة وينتظر أن يسمع جواب على نداءه ولكن دونما فائدة، و ظلت القلعة غارقة في الصمت ! و دون أن يدرى السبب الذي حمله على ذلك وجد نفسه يجلس على الأرض وينخرط فى نوبة بكاء عصبية هستيرية م يستطع إيقافها رغم كل محاولاته وظل (أندرو ) جالساً على الأرض يبكى نحواً من ربع ساعة ، ثم هدأ فجأة و توقف سقوط الدموع من عينيه إذ يبدو أنه أفرغ كل ما فيهما من دموع و وجد نفسه يفكر بهدوء في مصيره، ماذا يفعل ، إلى أين يمضى، ماذا سيفعل بنفسه ،هل هو جدير بالحياة ويستحق أن يعيش ،أم لا ؟؟

-: "ماذا ستفعل يا أندرو ، بالله عليك ماذا ستفعل ؟!"
-: "سأقاوم ، لن أستسلم أبداً، لن أستسلم و سوف أقاوم، و ستكون هذه القلعة بيتي ، و لا يوجد شيء في الكون سيجبرني على تركها، حتى و لا أشباح الأرض كلها !".

- نهض (أندرو) بتثاقل عن الأرض ، وتنبه لأول وهلة إلى أن الغروب و الظلام قد خيما على القلعة بأسرها، أما الشيء الغريب الذي حدث ؛ فهو أنه وجد المصباح ذو الشمعة قد أنطفأ من تلقاء ذاته، في نفس اللحظة سمع (أندرو) صوتاً غريباً صادراً من إحدى الغرف المغلقة فى داخل الممر ، صوت بكاء طفل !

- متحلياً بشجاعة لم يعرف من أين أتته، أخرج (أندرو) من حقيبته شمعة و ثقاب، و أشعل الشمعة بهدوء و تركيز ، ثم حملها و توجه نحو الغرفة التي صدر منها الصوت الغريب ؛ متخذاً مظهر البالغين الشجعان؛ و إن كشف اهتزاز الشمعة في يده عن اضطرابه الذي يداريه، و كان من السهل عليه تمييز تلك الغرفة؛ إذ أن الصوت رغم أنه لم يتكرر إلا أن صداه بدا و كأنه بخار ماء تجمع و تكثف في سحابة أمام باب الغرفة التي خرج منها، و مد (أندرو) يداً مرتعشة نحو باب الغرفة ؛ ذو اللون البني الغامق المصقول ؛ و أدار المقبض الصدئ ؛ فصدر عنه صوت يجمد الدم في العروق ، و لكن (أندرو) لم يتراجع ؛ و إن ملأ الذعر قلبه ؛ و دار المقبض بشيء من الصعوبة بين يديه ؛ و أنفتح الباب في بطئ حتى ظهر .. كلا ! لم يظهر شبح و لا شيطان مريد و لا جثة مفتوحة العينين على أتساعهما تتدلى من حبل،و لا أي شيء آخر من الأشياء التي قد تكون جالت بخاطركم ! بل لم يكن بالغرفة سوى التراب والظلام و نافذة مفتوحة على مصراعيها و ستائر متهرئة تتطاير في الهواء بفعل الرياح القوية .


كراسات بالية
بروية تفحص (أندرو) الغرفة وقد زال خوفه تقريباً ؛ ولما لم يجد بها أي شيء يستحق الاهتمام استدار و هم بمغادرتها ، عندها لفت شيء غريب نظره ! فاقترب من ذلك الشيئ الذي جذب انتباهه ليراه بشكل أفضل؛ و على ضوء الشمعة المهتز ، رأى بضع كراسات مدرسية قديمة بالية و ممزقة ملقاة في أحد الأركان !، امتلأت نفس (أندرو) بالعجب ؛ و لكن عجبه لم يكن بنفس مقدار الفضول الذي استولي عليه، فوضع شمعته على الأرض بجوار الكراسات والتقط إحداها ، كانت بالية تماماً و ممزقة و أوراقها مثنية و متلاصقة، على الغلاف كانت هناك كتابة باهتة باللون الأزرق و كانت اسم (ستيفن دواتفيلد باركنسون دى زيجا) وأخذ (أندرو) يقلب صفحات الكراسة بحرص لئلا يزيدها تمزيقاً على تمزيق ؛ و في الصفحة الأولى كانت هناك حروف أبجدية مكتوبة باللون الأحمر و مكررة بالقلم الرصاص بخط رديء ، و تتابعت الصفحات في بعضها حروف أو أرقام أو قطع صغيرة من الإملاء ، و لكن في الصفحات الأخيرة وجد (أندرو) بضعة أسطر مختلفة ؛ تبدو كأنها مذكرات أو يوميات ؛ و كانت تقول :" أنا سيئ الحظ، فـ (ماركيلا )الصغيرة تكرهني، و مدام (بيرودين) لا تكف عن تأنيبي، و معلمتي (مسز سميث ) تعطيني واجبات كثيرة ؛ لا أكاد أفرغ من تأديتها حتى تكلفني بغيرها، حتى ماما تركتني بمفردي و أغلقت علي الباب ، و ذهبت لمقابلة الملكة !"، و بعد أن قرأ (أندرو) تلك السطور القليلة ، أحس برغبة غامضة في أن يعيد قراءة الاسم المدون على غلاف الكراسة ، وقرأه بصوت مسموع (ستيفن دواتفيلد باركنسون دى زيجا) و في تلك اللحظة انطفأت الشمعة وتجمد (أندرو) في مكانه دون حراك ، فرغم الظلام الدامس، إلا أن الصبي الفاتح أدرك أن هناك من يقف وراءه، بل و يضع يده على كتفه !

العجوز (فوك)
بعد سنوات طويلة كان الجد العجوز (برتراند فوك ) الذي كان يعمل حطاباً فى شبابه يجمع أحفاده كل مساء ليحكى لهم ، بصوت مرتجف ؛ ما حدث له فى ذلك المساء العجيب ، منذ أعوام بعيدة ، عندما تأخر به الوقت فى الغابات المحيطة بقلعة (بيت الأحزان)، كان الجد (فوك) يقول في كل مرة :"كنت فى تلك الليلة أجمع الحطب فى الغابة المجاورة ، فالأراضي المحيطة بتلك القلعة الملعونة ظلت دائماً تُنبت أفضل أنواع الأشجار ذات الأخشاب الممتازة، لم أكن هناك بمفردي ؛ بل كان بصحبتي عدد من الرفاق ؛ كانوا دائماً ما يصطحبونني في جولاتي حول القلعة ؛ إذ لم أكن لأجرؤ على التجول هناك بمفردي، (ماكولي ) العجوز و (أنستاس ) ذو الأنف الضخم و (هنري) و (فيكتور ) كانوا كلهم هناك ، و لكني – لسوء حظي – غافلتهم و توغلت فى داخل الغابة ، ما زلت أذكر ذلك اليوم جيداً كأنه بالأمس، أصابني الهلع عندما أنقطع عني تماماً صدى أصوات رفاقي ؛ الذي كان يملأ الغابة ؛ و جريت عبر دروب الغابة محاولاً الخروج إلى الطريق الرئيسي ؛ حيث تركت الرفاق ؛ و تهت و ضللت طريقي مرات ، و أخذت أدور و أدور حول نفسي ، و فى كل مرة كنت أعود إلى نفس النقطة ثانية ، و لكن قرب الغروب تمكنت - بفضل الله - من الخروج من هذه المتاهة ؛ ووجدت نفسي فوق الممر الرئيسي للغابة ، على مقربة من القلعة المخيفة؛ و لكني لم أعثر على أثر لأي أحد من رفاقي ، و مشيت بضع دقائق لأجد نفسي أمام القلعة الملعونة ، و فجأة سمعت صوت باب القلعة؛ الذي لم يُفتح منذ قرن و نصف ؛ و هو ينفتح بمفرده، و بعد ثواني رأيت ضوءاً غامضاً فى أعلى القلعة يسطع عبر النوافذ ، و بعد قليل أنطفأ هذا الضوء، و لم تكد تمر لحظة حتى سمعت صرخة قوية صادرة من داخل القلعة، صرخة صبي لا شك فيها، أعقبها رياح عاتية هبت حول القلعة ؛ و أخذت كل نوافذ القلعة و أبوابها تصطفق فى عنف و ظهر نور أزرق غريب في أعلى القلعة و راح يدنو تارة و يبتعد تارة أخرى " ، ثم يبتلع (فوك)العجوز ريقه بصعوبة، و يحفر الخوف خطوطاً غائرة على وجهه - رغم مرور كل تلك السنوات – ويواصل:"و بعون الله تمكنت من العودة إلى بيتي سالماً ، و لكني – منذ تلك الليلة – لم أجرؤ على الاقتراب مرة أخرى من أطلال القلعة الملعونة أبداً ".

مواجهة مع ..؟
و لكن ما حقيقة ما جرى داخل(بيت الأحزان) فى تلك الليلة ؟ ! ، تجمد (أندرو) في مكانه و تصلبت أطرافه و أحس بكتلة من الثلج تلامس كتفه الأيمن ، و مرت عليه دقيقة شعر خلالها أنه يهوي في فراغ شديد الصمت ، و فجأة ارتعش جسده من أعلاه إلى أسفله بعنف حينما أحس باليد الموضوعة فوق كتفه تنطبق و تشدد من ضغط أصابعها عليه، و ابتلع (أندرو) ريقه و حاول جاهداً أن يدير رأسه ليرى الشخص – أو الشيء – الذي يقف خلفه، و لكن مفاصل رقبته تصلبت تصلباً مؤلماً و أبت أن تدعه يتحرك بوصة واحدة، و فى اللحظة التالية مباشرة عربدت عاصفة مخيفة حول القلعة، وأخذت الأبواب و النوافذ تصطفق كلها في (كونشرتو) رهيب، بينما الرياح العاتية تصرخ و تعربد فى الخارج، و ظهر القمر الكامل مرة واحدة و صعد إلى قلب السماء و تسللت أشعته عبر النافذة ؛ و ضربت (أندرو) فى وجهه فأنفك تصلب جسده فجأة، و استدار مرة واحدة ليجد ..نفسه !، نهض (أندرو) كالمسحور ليحدق فى نفسه الواقفة أمامه ، فلم يكن أمام (أندرو) إلا (أندرو) آخر !، أو للدقة صبي آخر ؛ هو في الواقع نسخة أخرى منه في كل شيء ! نفس الحجم و الطول، نفس الملامح، نفس العيون و الشعر و الشكل، كل شيء ، عدا الملابس!، فقد كان (أندرو)الآخر يرتدى ثياباً عتيقة فخمة ، فكأنها ثياب ملكية!وفيما عدا أن (أندرو) الآخر كان جسده شفافاً يظهر عبره كل ما هو موجود خلفه، وذلك لا يعنى سوى شيء واحد، إنه شبح !

- ظل (أندرو) –صاحبنا القديم – لفترة مذهولاً يحدق فى وجه الشيء الواقف أمامه كما يحدق النائم فى حلم عجيب ؛ و مرت ساعتين كاملتين دون أن يشعر بذلك، و كأنهما لم تمرا من الأساس !، و فجأة تذكر (أندرو) مشهد غريب رآه في طفولته و لكنه نسيه تماماً فلم يعد ليطرق ذاكرته إلا الآن: "نعم ! (كارميلا)، لقد قرأتها مثلك ،قبل أن أموت !"، قالها الشبح ثم ساد الصمت التام،و مضى الاثنان يحدقان في بعضهما دون نهاية !

- استيقظ (أندرو) و قد ملأت الشمس الحجرة الفخمة التي نام فيها، الحجرة التي قاده إليها صديقه الشبح و طلب منه أن ينام فيها !، و كان (أندرو) راقداً على سرير ضخم يحتل نصف مساحة الحجرة تقريباً ، و كانت ملاءات السرير و أغطيته كلها موشاة بخيوط الذهب، التي لم تفقد بريقها رغم القدم!، و كانت لمسة الذهب الساحرة تطغى على كل ما بالحجرة من أثاثات و مفروشات و ستائر، بل حتى السجاجيد على الأرض كانت مزينة بخيوط من الذهب ، و لم تكن فخامة الحجرة مبعث دهشة (أندرو)، ألم تكن هذه هي غرفة نوم ، ملك ؟! ، و سارع (أندرو) بالنهوض و ارتدى ملابسه سريعاً، لينفذ ما يجب عليه تنفيذه ، قبل أن يسرقه الوقت و يدهمه الليل ، و بعد لحظات كان (أندرو) قد شرع فى العمل !

جسد مسجى
هبط (أندرو) إلى بهو القلعة السفلى ، ذو السلالم و الأبواب الصدئة المغلقة و المدفأة الحجرية المحطمة، و أتجه بثقة نحو ممر جانبي لا يكاد يُرى من أى موضع بالبهو، و يصعب أن يعرف أحد مكانه إلا إذا أرشده إليه شخص ما !، و وجد (أندرو) نفسه أمام ممر هابط منحدر بشكل شديد الخطورة، و لكنه لم يأتي معه بالحبال عبثاً، فك (أندرو) ربطة الحبال و أخذ الطرف الأول و لفه بإحكام حول أحد أعمدة البهو العملاقة، بينما ربط الطرف الثاني حول خصره عدة مرات ، و حمل (أندرو) مصباحه و أدواته كلها فى حقيبة علقها فى كتفه ، و مضى هابطاً الممر المنحدر الخطر ؛ و ساحباً الحبل شيئاً فشيئاً ؛ حتى وصل الحبل إلى نهايته ؛ و صار مشدوداً تماماً، فى نفس اللحظة وصل (أندرو) ، أمام غرفة صغيرة لها باب من الحديد ؛ مغلق بعشرات من الأقفال و السلاسل الحديدية الصدئة ، و كانت كل هذه الأقفال مغلقة بإحكام شديد ؛ و لكن ذلك لم يكن يشكل عائق أمام (أندرو) فقد زوده (ستيفن) بكل ما يحتاج إليه لإتمام هذه العملية بنجاح ، و بثقة أخرج (أندرو) حلقة بها عشرات من المفاتيح و مضى يجربها ؛ مفتاحاً مفتاح ؛ حتى تمكن من فتح كل تلك الأقفال الضخمة، و أنتزع السلاسل الحديدية ، ثم أستجمع كل قوته و دفع الباب الثقيل قليلاً قليلاً ، حتى تمكن من فتحه كاملاً !، أشعل (أندرو) المصباح ذو الشمعة و حمله و خطا داخل الغرفة التي صُنعت جدرانها و أرضيتها و أبوابها من النحاس ؛ حتى بدت كعلبة معدنية محكمة الإغلاق ، و التي لم تكن فى الواقع سوى قبر ! ، وبخطوات مرتعشة دخل (أندرو) إلى الغرفة التي لم تُفتح منذ قرون، و كانت الغرفة من الداخل فارغة إلا من منضدة حجرية – تماثل تلك الموجودة فى الممر الذي بأعلى القلعة- و لكن المنضدة هنا لم يكن فوقها مصباح بشمعة ، ليته كان ، بل كان فوقها تابوت زجاجي !، تصلب (أندرو) أمام هذا المنظر المهيب وبدون شعور منه وضع يده على التابوت العتيق ؛ ثم رفعها ليجدها غارقة فى التراب و الغبار ، و دار (أندرو) حول التابوت ،وكأنه فى حلم ، حلم عجيب لم يره أحد من البشر من قبل، تأمله لحظات طويلة كالمخدر ؛ ثم نفخ عنه التراب ، ليظهر فجأة وجه الشخص الراقد فى التابوت ، و لم يكن فى التابوت سوى (أندرو) نفسه، (أندرو) الثاني ، أو شبيهه الذي قضى نحبه منذ قرن و نصف،(ستيفن دواتفيلد باركنسون دي زيجا ) !، تأمل (أندرو) وجه الفتى الراقد بداخل التابوت طويلاً ، و فجأة راودته أحاسيس غريبة ، أحس أنه رأى هذا التابوت من قبل ، رآه ؟!.. بل ورقد فيه طويلاً!

- بصعوبة فتح (أندرو) التابوت الزجاجي، و عندما هم بالإمساك بالجسد المحنط داخله أصابته موجة مباغتة من الذعر، و تراجع دون وعي حتى اصطدم بالجدار النحاسي خلفه، و فجأة انتابته واحدة من النوبات العصبية الهستيرية – التي كثيراً ما كانت تصيبه بعد وفاة والديه – و راح صدره يعلو و يهبط و أنفاسه تمزق صدره ؛ و شعر بيد ثقيلة غشوم تكتم أنفاسه و تسد خيشومه و تحبس أنفاسه ، و أستغرق الأمر أكثر من نصف ساعة حتى عاد (أندرو) إلى وعيه و تمكن من السيطرة على نفسه ، و بسرعة ؛ و قبل أن يجبن مرة أخرى عاد إلى التابوت الزجاجي و فتحه و مد يديه و ألتقط الجسد المحنط من داخله ؛ و تحامل على نفسه كثيراً حتى تمكن من رفع الجسد من التابوت، و حمله بصعوبة بالغة بين يديه ، و كاد يسقط به عدة مرات و لكنه قاوم ضعفه و مخاوفه، و تمكن من حمل الجسد و إخراجه من التابوت ، ثم وضعه فوق المنضدة الحجرية ؛ و التقط الحقيبة الجلدية الكبيرة التي كانت بحوزته عندما أتى ، وفتحها ثم حرك الجسد برفق ، حتى نجح فى إدخاله فيها !

- أغلق (أندرو) الحقيبة ؛ و حملها بصعوبة بالغة و خرج بها من الغرفة،و جذب طرف الحبل ؛ الذي كان متدلياً أمام باب الغرفة ؛ وربطه حول الحقيبة ، ثم أخذ يدفعها من الخلف ليخرجها من الممر ، و لم يكن هذا بالأمر الهين ؛ فالحقيبة ثقيلة للغاية ؛ و الممر شديد الانحدار ، وسقط على وجهه و ظهره عدة مرات و أنفك الحبل من حول الحقيبة أكثر من مرة و سقطت للخلف و كان (أندرو) يضطر إلى التوقف فى كل مرة و إعادة ربط الحقيبة و البدء من جديد ، و استغرق الأمر النهار بطوله ليتمكن من إخراج جثة (ستيفن) من الممر إلى بهو القلعة الرئيسي، و لكنه نجح أخيراً و هذا هو المهم!، قام (أندرو) بجر الحقيبة على الأرض برفق ؛ إذ لم يعد قادراً على حملها وجرجرها حتى وصل بها إلى باب القلعة الأمامي ، ثم أنزلها عبر السلالم الخارجية و مضى بها عبر الأراضي المحيطة بالقلعة – و كان الظلام قد خيم حينئذ – و لكن(أندرو) بذل جهده لئلا يضل طريقه ، و بعد نصف ساعة وصل (أندرو) إلى هدفه!

شاهد قبر
توقف (أندرو) عند حدود قطعة منعزلة من أراضي القلعة ووضع الحقيبة إلى جواره ، ثم ألتقط جاروفه و أخذ يحفر حتى ظهر أمامه شاهد قبر بالغ القدم وقد غطته أكوام من الحجارة و الطين والرمال حتى أخفته تماماً عن الأنظار، ثم وضع (أندرو ) الجاروف جانباً و مضى يحفر بيديه العاريتين فى التربة المحيطة بشاهد القبر، و بعد دقائق وصل إلى حلقة حديدية صدئة جذبها بصعوبة فارتفعت إلى أعلى كاشفة عن غرفة حالكة الظلام أسفلها،تناول (أندرو) المصباح و أدخل جسده في الفتحة الواقعة أسفل اللوح الحديدي – الذي تقع الحلقة فى منتصفه- و هبط على سلالم الغرفة ؛ التي كانت قبر لآل (زيجا) منذ قرون ، و فى ثواني كان يقف وسط مقابر (آل زيجا) تحيط به قبورهم المنسية من كل مكان ، و حمل (أندرو) مصباحه وراح يتفقد المقابر حتى وصل إلى الهدف الحقيقي ، نعم هنا ، ثمة شاهد قبر يحمل اسمه ( ستيفن دواتفيلد باركنسون دي زيجا )، قبر( ستيفن ) الذي لم يُسمح له بأن يرقد فيه فمضى هائماً على وجهه حبيساً فى القلعة، حتى جاء المختار لينقذه ، (أندرو) !

- قبل شروق الشمس كان (أندرو) قد انتهى من دفن جثة (ستيفن) المحنطة فى قبرها الحقيقي ، و عاد إلى القلعة التي صارت آمنة الآن ليجد كل الأقفال و السلاسل الحديدية المغلقة التي في كل مكان و قد تفتت، و كل الأبواب المغلقة و قد تفتحت على مصارعيها و نور الشمس يغمر كل ركن في القلعة ، التي زالت عنها كآبتها فجأة ، وسمع (أندرو) صوتاً غريباً من أعلى فرفع رأسه، ليجد عصفوراً صغيراً يبنى عشه في أحد أركان البهو العملاق!


ذكريات
بعد عشرات من السنين كانت عائلة (أندرو) لا تزال تقيم فى قصر (بيت الأحزان) الذي لم يكن قلعة على الإطلاق بل قصر(آل زيجا) أكبر و أغنى عائلة فى أوربا في القرون الوسطى ، و رغم الثراء الفاحش الذي يتمتع به (آل أندرو)، إلا أنهم لم ينسوا أبداً في أي مناسبة من مناسباتهم العائلية أن يقدموا الاحترام و التقدير لجدهم العجوز (أندرو)و لصديقه العزيز المرحوم (ستيفن دواتفيلد باركنسون دي زيجا )!
انتهت القصة


نبذة عن المؤلفة
منال عبد الحميد من مواليد عام 1981 وحاصلة علي ليسانس أداب وتاريخ و و تعشق الأدب كثيراً ولها مجموعة من القصص القصيرة وتعتبر الأديب الكبير يوسف إدريس صاحب الفضل عليها في تنمية مواهبها الأدبية وتعمل حالياً في مدرسة لمادة الدراسات الإجتماعية في مدرسة خاصة وتقيم في مدينة البلينا -مصر ولها مدونة إلكترونية تنشر فيها خواطرها وبمكنكم زيارتها هنا.

ملاحظة
قد تبدو القصة المنشورة مترجمة للوهلة الأولى بسبب إحتوائها على أسماء شخصيات غير عربية، ولكنها في الواقع محاولة مقصودة من المؤلفة نظراً لتعلقها بأجواء الرعب الفيكتورية.

تعقيب - مفهوم الروح الساعية للسكينة
تحدى أندرو مخاوفه لكي يستمر في البقاء ، كان في مواجهة مع مكان له ذاكرة لا تنبئ بالخير ، فالحي أولى بالميت إن وصل الأمر إلى التشرد ولكنه لم ينس تكريم الميت بدفنه فأزال عن القلعة سمعتها المرعبة ، تعتمد القصة على مفهوم راج في أدب روايات الرعب وفي معتقدات الكثيرين حتى يومنا هذا ويقول:"أن روح الميت لن تعرف السلام والطمأننية إلا بعد أن تدفن جثته في قبرها وبعد أن تدفن ستتوقف عن فعل كل ما يقض مضاجع الأحياء فيهنؤون بالنوم والهدوء وتفارقهم أجواء الرعب في المكان إلى غير رجعة". ونلاحظ في القصة أيضاً فكرة استيلاء ذكريات (ستيفن) على (أندرو) كما يحدث عند المس.

- كالعادة يرتبط وجود شبح الميت في الكثير من قصص الرعب بمحاولة لفت أنظار الأحياء إلى وقوع جريمة بشعة تعرض لها ولم يعلمها أحد من الأحياء سوى قاتله على غرار فيلم What Lies Beneath، أو بسبب حنين إلى المكان الذي عاشت فيه على غرار فيلم Others ، أو بسبب عدم دفنه بشكل لائق (كما في هذه القصة) أو نبش قبره أو تدنيسه من خلال إقامة منزل عليه على غرار فيلم Polreigiest حيث تصيب اللعنة من يفعل ذلك وهذا شبيه بأسطورة لعنة الفراعنة. أعتقد أن القصة مثيرة لدرجة أنها جعلتني أعيش لحظات مع الشخصية أندرو كما أشاهد فيلماً متقناً.
كمال غزال

هناك 4 تعليقات:

  1. قصة رائعة ومشوقة كل مؤلفاتك روعة يا أستاذة منال الله يوفقك وانشاله تكتبيلنا قصص اجمل واجمل لا تحرمينا من روائعك ابدا

    ردحذف
  2. اه نسيت اقللك انو كمان عمرى 16 سنة هههههههههه

    ردحذف
  3. قصة رائعة وترقى لمستوى الادب العالمى

    ردحذف
  4. خياالك واسع يا استعذة منال ما شاء الله القصة مهي زي باقي القصص انتي مؤلفة محترفة

    ردحذف

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.