29 أغسطس 2025

زمن ضائع بين الأشجار

زمن ضائع - تداخل في الأبعاد - خيال علمي - قصة قصيرة كتبها كمال غزال
تأليف : كمال غزال
كان ياسر يجر خطواته المتثاقلة نحو المصعد بعد أن ركن سيارته في موقف السيارات الواقع أسفل مركزٍ تجاري صاخب بأضواء نيون متراقصة وإعلانات عروض ملونة لم تعد تثير فيه شيئاً سوى الصداع. ضغط زر المصعد، فانفتح الباب المعدني ببطء، ودخل كعادته دون اكتراث.

غير أن ما حدث بعد لحظات سيظل يطارده ما بقي له من عمر.

ما إن خطا خارج المصعد حتى باغته صمت غريب… لا ضجيج، لا أنوار، لا أصوات بشر. رفع رأسه فإذا به أمام فسحة من الأرض الخضراء، ساقية ضيقة تتلوى بين أشجار باسقة، ومياه تلمع في نور شاحب كفضة سالت من حلم قديم. الهواء بارد نديّ، كأنّه يحمل همس طيورٍ لم يسمعها قط.

وقف مبهوتاً، يتلفّت في رعب مكتوم. هل خانه بصره ؟ هل أخطأ المصعد ؟ أين الممرات، المحلات، العابرون ؟ لم يجد سوى غابة ساكنة كأنها هبطت من عالم آخر.

التفت خلفه بارتباك باحثاً عن المصعد… لكن الباب المعدني لم يعد موجوداً. لا أثر لجدار إسمنتي أو مدخل يقود إلى موقف السيارات. كل ما خلفه أشجار متراصة تصنع جداراً صامتاً، وكأن المكان ابتلعه وأغلق عليه بلا عودة.

حينها أخرج هاتفه بسرعة، متشبثاً بخيط الأمل الأخير. ضغط زر التشغيل، فارتجفت الشاشة للحظة قبل أن تسودّ تماماً، بلا ضوء، بلا إشارة. حاول مرة، مرتين، عشر مرات… يعيد التشغيل، يضربه بكفّه، يلهث مع كل محاولة، كالغريق وهو يمد يده إلى خشبة طافية. لكن الهاتف ظل أسود كالقبر. ومع يأسه، علا صراخه في المكان، ثم ألقى بالجهاز بكل غضبه في مياه الساقية، فرماه صدى ارتطامه كأنما يعلن النهاية: لم يعد بينه وبين عالمه السابق أي صلة.

اقترب من الساقية، مدّ يده المرتجفة، فإذا بالماء بارداً يجري بين أصابعه. عندها أيقن أن ما يراه ليس وهماً. سار بخطوات مترددة، ينادي بصوتٍ مبحوح:
– "هل من أحد هنا ؟! "

لكن لم يُجبه سوى رجع صدى يتكسر ثم يذوب في الصمت الثقيل، فيما الغابة من حوله تبدو أبدية، بلا كوخ، بلا طريق، بلا أثر للبشر… سوى فراغ يتربص به.

شيئاً فشيئاً بدأ الخوف يلتهم قلبه. تذكّر زوجته، أمه، وطفليه، ماذا لو لم يعد ؟ من سيهتم بوالدته المريضة ؟ كيف سيعيش أحبّاؤه بغيابه ؟ الصور توالت أمامه كوميض برق: وجوههم، ضحكاتهم، تفاصيل البيت، كلها انقضّت عليه دفعة واحدة حتى شعر بالوحشة تعضّ روحه.

جلس على صخرة قرب الماء، يلهث، يرقب الأفق كمن ينتظر معجزة. لكن الأفق لم يَهَبْه إلا سكوناً متوحشاً. بدأ الدوار يثقل رأسه، وضاق صدره، وتحوّل الأفق أمامه إلى مرآة تتشقق. لم يحتمل هول ما رآه ولا فجيعة شعوره بالتيه الأبدي، فسقط مغشياً عليه، يبتلعه سواد غامض.

***


حين أفاق، كان ممدداً على أرض إسفلتية باردة. فتح عينيه فرأى اللوحة المألوفة أمامه: المصعد ذاته في موقف السيارات، ضجيج العابرين، هدير العربات، رائحة القهوة والدخان تتسلل إلى أنفه. كل شيء عاد كما كان… كأن الغابة والساقية لم تكن إلا كابوساً عابراً.

نهض مترنحاً، يتلمّس جبينه، يتساءل في داخله: هل كان ما رأيته وهماً؟ هل كانت غيبوبة لحظية ؟ لم يجد جواباً، فأسرع إلى سيارته، وحمد الله بحرارة وهو يدير المحرك. لم يتأخر لحظة، بل انطلق نحو بيته كالمطارد من شبح.

هناك، كان الاستقبال أشبه بعودة ميت إلى الحياة. عانقته أمه بدموع ملتاعة، ارتمى أولاده في حضنه، زوجته التصقت به كمن تخشى أن يتبخر أمام عينيها. للحظة شعر أنه عاد من سفر طويل، لكنه لم يفهم لماذا كانت وجوههم شاحبة، ولماذا كان في عيونهم مزيج من الدهشة والرعب.

لم تتركه زوجته ليستريح، بل صاحت وهي تبكي:

– " أين كنت يا ياسر ؟! لقد اختفيت أسبوعاً كاملاً ! الشرطة بحثت عنك في كل مكان، فتشوا المركز التجاري والمحيط كله، وجدوا سيارتك مركونة في الموقف كما هي… لكنك كنت قد تبخرت. لم يترك غيابك أي أثر ! "

تجمد الدم في عروقه. أسبوع كامل ؟!  لكنه لم يعش هناك سوى ساعة أو أقل. جلس في صمت مطبق، يطوقه الذهول، كمن سقط في فخ لا يدرك حدوده.

لقد عاد، نعم… لكنه عاد وفي قلبه سؤال أكبر من طاقته: أي مكان ذاك الذي يبتلع الزمن كما يبتلع الغياب ؟ وأي سرّ هذا الذي يسلب الإنسان يقينه ويتركه عالقاً بين جنون محض وحقيقة لا تصدَّق؟

جلس ياسر بينهم يروي ما رآه، صوته متقطع، وعيناه متسعتان كمن يستعيد كابوساً لم يغادره بعد. لكن ما إن انتهى حتى خيّم صمت ثقيل، تبعته نظرات غريبة ارتسمت في الوجوه. كانت عيونهم قبل لحظات تفيض شوقاً وحباً، فإذا بها الآن تترصده بريبة خفية.

همس أحدهم: "يهذي… أو يكذب."

وتردد الصدى في عقولهم جميعاً، حتى تسلل الشك إلى صدر زوجته. رمقته بنظرة مرتجفة، كأنها تقيس المسافة بين عقلٍ سليم ورجلٍ ضاع في وهم.

طالبوه بدليل، شيئاً يمسكوه بأيديهم: صورة، أثر، أي علامة تثبت رحلته. لكنه لم يجد سوى ذاكرة مضطربة، بين وضوح وضباب، بين يقين وارتباك. عندها شعر بثقل الحقيقة المرعبة: أنه مهما قال، فلن يصدّقه أحد.

ساد صمت آخر، لكنه كان هذه المرة صمتاً قاسياً، يُشبه حكماً غير معلن. انكمش ياسر في مكانه، وصوت داخلي ينهش كيانه: " هل كنت هناك حقاً ؟ أم أنني فقدت عقلي ؟"

ومنذ تلك اللحظة، لم يكن نزيفه الأكبر في الغياب ذاته، بل في فقدان الثقة التي كانت تجمعه بأقرب الناس إليه. 

لقد صار غريباً بينهم، يتأرجح بين أن يكون شاهداً على سر عظيم… أو مجرد رجل مريض يهذي بما لا يُرى.

***


ومنذ ذلك اليوم، أخذ يغوص في الكتب والمقالات، يبحث عن معنى لتجربته، قرأ عن "التشويش المكاني"، عن "تداخل الأبعاد"، عن "العوالم الموازية"، عن "الماتريكس" والاحتمال المخيف أن تكون رحلته الغريبة تلك مجرد خلل في نظام كوني أعظم ، كان يسهر الليالي، عيناه محمرتان، يتابع محاضرات فيزياء لا يفهمها كلها، لكنه يتشبّث بها كالغريق.

ثم تشجع لينشر قصته في الإعلام ، في البداية جذبته الشهرة، ثم سرعان ما تحولت إلى نقمة ، اتهمه الكثيرون بالجنون، سخرت منه الصحف الالكترونية، وانتشرت صورته في مواقع التواصل مع عبارات استهزاء ، فقد وظيفته، وتسللت الوحشة إلى سرير بيته، حتى باتت زوجته غريبة في عينيه، لا تراه إلا كرجُل ضاع عقله في سراب. شيئاً فشيئاً، غرق في اكتئاب قاتم.

أدرك - متأخراً -  أنه كان عليه أن يصمت. بعض الأسرار يجب أن تُدفن في القلب، ويأخذها الإنسان معه إلى القبر.

ومع ذلك، لم يهدأ له بال. كان هناك سؤال يطارد روحه: هل يمكن أن يعود إلى ذلك المكان عسى أن يأتي ببرهان ؟

***


في العام التالي ، في اليوم نفسه من الشهر نفسه والساعة نفسها، ارتدى نفس ثيابه القديمة، ومضى إلى المركز التجاري ، دخل موقف السيارات بخطوات بطيئة، كمن يسير نحو قدره ، ضغط زر المصعد، الباب المعدني انفتح ببطء ، قلبه يخفق بعنف، دموعه تكاد تنفجر من عينيه ، ضغط على الطابق ذاته الذي أخذه ذات مرة إلى المجهول.

وعندما انفتح الباب… لم يرَ غابة ولا ساقية، بل شعر بدوار عاصف يضرب رأسه ، صرخ أحد الواقفين في الردهة:
– " يا إلهي ! الرجل يسقط ! "

سقط ياسر أرضاً مغشياً عليه. اجتمع الناس حوله، وجاء طاقم الإسعاف على عجل ، حملوه إلى المشفى، ممدداً بين وعي وغيبوبة، أجهزة المراقبة تلتقط نبضه، والأطباء يحيطون به.

لكن في داخله، وفي لحظة الوعي الخافتة، كان يبتسم.

لأنه شعر – في أعماق الظلام الذي غرق فيه – بنفس النسيم الندي الذي عرفه ذات مرة عند الساقية ، سمع خرير الماء من بعيد، وشاهد ظل الأشجار يتماوج خلف جفنيه المغلقين.

تساءل أخيراً، بابتسامة باهتة لا يراها أحد :

هل عادت الرحلة لكي تكتمل ؟ أم أنّ الغيبوبة ليست سوى بوابة أخرى إلى ذلك العالم ؟

وظلّ معلقاً بين سرير المشفى وساقية الغابة… بين وعي الناس ووعي آخر لا يعرفه سواه.
تمت

0 تعليقات:

شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .