« المداح » هو مسلسل دراما وتشويق مصري عُرض لأول مرة في رمضان 2021، من بطولة الفنان حمادة هلال وإخراج أحمد سمير فرج.
تميّز المسلسل بطابعه الغرائبي حيث يغوص في عالم السحر والجن ضمن إطار درامي مشوق. المثير للاهتمام أن فكرة المسلسل مستوحاة من قصة حقيقية كشفها الساحر اليمني التائب داوود فرحان، إذ صرح بأن أحداث «المداح» تستند إلى تجربته الواقعية بعدما عاش في عالم السحر والمس الشيطاني لأكثر من 18 عاماً قبل توبته.
تبدأ قصة داوود بأن والده الساحر وهبه لخدمة الجن منذ كان عمره 6 أشهر، فأجرى عليه طقوس استحضار للجن، مما عرّضه في طفولته لكوابيس وتلبسات شيطانية ورؤى لمخلوقات غامضة حاولت إغراؤه وببلوغه 14 عاماً، وبعد وفاة والده، تتلمذ على يد ساحر كبير وأتقن استحضار الجن وتسخيرهم، مدّعياً معالجة الناس روحانياً وهو في الحقيقة يستخدم الجن لكشف أسرارهم.
وصل داوود إلى مرحلة خطيرة بإجراء خلوة شيطانية لـ 40 يوماً انتهت بظهور إبليس وإعطائه قوة سحرية هائلة. كانت نقطة التحول في حياته رؤيته لوالده في المنام وهو يُعذَّب في حفرة سوداء، فتاب إلى الله، لكنه لم يسلم من انتقام الشياطين؛ إذ فقد زوجته وأولاده نتيجة عهوده السابقة مع الجن.
واليوم يُعرَف داوود بـ «الساحر التائب» ويحذّر الناس من خطورة السحر والشعوذة مستشهداً بقوله تعالى « وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ». هذه الخلفية الواقعية أضافت بُعداً من الرعب النفسي إلى مسلسل «المداح»، الذي لا يقدّم مجرد حكاية خيالية بل يستند إلى معاناة حقيقية في عالم السحر الأسود.
القصة العامة للمسلسل
يروي المسلسل قصة صابر المداح، اليتيم الذي تبنّاه وربّاه إمام جامع صوفي، فنشأ شابًا متدينًا ومحبوبًا. إلا أن حياة صابر تنقلب رأساً على عقب عندما يتسلل الشيطان إليه مستغلاً تعلق قلبه الشديد بحب فتاة تدعى رحاب.
في لحظة ضعف يرتكب صابر جريمة بقتل أقرب الناس إلى رحاب، لتبدأ سلسلة صراعات بينه وبين قوى الشر التي تتربص به وبعائلته. على مدار المواسم التالية، يخوض صابر مواجهات متكررة مع الجن والعفاريت، ويتورط في ألغاز وعهود سحرية تجلب له ولمن حوله الكثير من الأذى.
تمتزج في أحداث المسلسل عناصر الرعب النفسي والخيال مع الدراما الاجتماعية، حيث يواجه صابر قوى غامضة تفوق الطبيعة ويحاول التغلب عليها مستعيناً بإيمانه وقوته الداخلية. إنها رحلة روحية ونفسية يتصارع فيها الخير والشر عبر عدة «أساطير» متتابعة، لكل موسم منها حكاية خاصة. فيما يلي نظرة موجزة على المواسم الستة للمسلسل وعناوينها الفرعية:
المواسم (أساطير المداح)
الجزء الأول (رمضان 2021) – «المداح»
يُعتبر الموسم التأسيسي الذي قدّم شخصية صابر المداح وخلفيته. تبدأ الأحداث بصابر اليتيم الذي تربى في بيت إمام مسجد، وتظهر ملامح قوته الروحانية مبكراً. يقع صابر في حب رحاب، لكن هذا الحب يصبح مدخلاً للشيطان للتغلغل إلى نفسه. نتيجة لذلك يرتكب صابر جريمة قتل تحت تأثير قوى شريرة، مما يدخله في دوامة صراع مع عالم الجن. ينتهي الجزء الأول بأحداث درامية قلبت حياة صابر والمقربين منه، ومهدت لبروز عنصر الماورائيات في حياته بشكل أكبر في المواسم اللاحقة.
الجزء الثاني (رمضان 2022) – «أسطورة الوادي»
في هذا الموسم تبدأ معاناة صابر مع أحلام غريبة تلاحقه، ليكتشف أن كل ما يراه في المنام يتحقق على أرض الواقع. تقوده هذه الرؤى إلى مواجهة حرب جديدة مع عالم الجن في وادٍ مليء بالأسرار. يتعمّق صابر في فك رموز تلك الأحلام وكيف ترتبط بنشاط قوى خفية تريد الإيقاع به.
تبرز في هذا الجزء شخصية الجنية مليكة (سهر الصايغ)، التي تصبح خصماً أساسياً لصابر، ويجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الجن الذين يحاولون السيطرة على قدراته عبر تلك الأحلام. حمل هذا الموسم جرعة تصاعدية من الرعب والتشويق، خصوصاً مع إدراك صابر أن قدراته الروحانية سلاح ذو حدين قد يجرّ عليه مخاطر غير مسبوقة.
الجزء الثالث (رمضان 2023) – «أسطورة العشق»
تنطلق الأحداث بعد ساعات من ولادة ابن صابر المداح، حيث يجد صابر نفسه أمام حرب جديدة أشد خطورة. يتبيّن أن ابنه الرضيع يشكل خطراً كبيراً على حياة صابر وكل من حوله، إذ تسعى قوى الجن للانتقام من صابر عبر إيذاء طفله.
في هذا الموسم تبرز ثيمة الأبوة والمحبة كدافع أساسي لصراع صابر ضد الشر؛ فـ«عشق» الأب لابنه يجعله يستميت لحمايته. تتوالى المواجهات بين صابر وملك الجن الأحمر وأعوانه، ويضطر صابر للاستعانة بشيوخ وعلماء روحانيين لكشف نبوءة مرتبطة بمصير ابنه. يكتشف صابر أن عهدًا سحريًا قديمًا يربط بين نسله وقوى الظلام، مما يضعه أمام اختبار صعب للتضحية والفداء في سبيل إنقاذ عائلته.
الجزء الرابع (رمضان 2024) – «أسطورة العودة»
يعود صابر في هذا الموسم بمواجهة أكثر شراسة، حيث يجد نفسه في حرب ضارية مع الجن تتجدد فصولها. تبدأ الأحداث عندما يلبي صابر وصديقه المقرب (الشيخ سميح) نداء استغاثة من عائلة صعيدية تتعرّض لأذى خارق للطبيعة. تلك الاستجابة تقحم صابر في فصل جديد من الصراع مع ملوك الجن، وتنكشف أسرار جديدة حول ماضي العهد الشيطاني الذي يطارده.
يكتشف صابر أن عدوه هذه المرة ليس مجرد كيان شرير واحد، بل منظومة كاملة من قوى الظلام تتعاون للقضاء عليه. شهد هذا الجزء عودة مفاجئة لشخصيات من المواسم السابقة (بعضها على هيئة كائنات غير بشرية)، في إشارة إلى أن الشر الذي واجهه صابر سابقًا لم يُهزَم كليًا. تصاعدت حدة التشويق مع تنقل الأحداث بين حاضر صابر ومستويات زمنية ومكانية أخرى مرتبطة بالعائلة الصعيدية وبجذور السحر القديم في تلك المنطقة.
الجزء الخامس (رمضان 2025) – «أسطورة العهد»
في هذا الموسم وبعد أن عاد صابر من الموت بشكل معجز، يواصل حربه المعتادة ضد الجن. لكن تظهر له عدوة جديدة تتمثل في بنات إبليس، وهن كيان شرير جماعي يحمل أهدافاً خبيثة غير مسبوقة. يجد صابر نفسه مضطراً لمواجهة هؤلاء الشريرات بكل عزيمته للتغلب عليهن والتخلص من شرورهن، كما اعتاد في معاركه السابقة.
وعلى الصعيد الشخصي، تشهد حياة صابر تحولات كبيرة في علاقاته وأسرته، مما يزيد التوتر في الأحداث. اتسم هذا الجزء بأجواء مرعبة بشكل خاص، حيث ظهر الملك الأحمر (خالد الصاوي) كزعيم قوى الشر في مواجهة حاسمة مع صابر.
كما تضمن الموسم خطوطاً درامية جديدة، مثل شخصية ست الحُسن (غادة عادل) التي لعبت دوراً غامضاً في مساعدة أو تضليل صابر. تخللت الأحداث انتقالات زمنية جريئة، إذ وجد صابر نفسه يواجه شياطين الماضي بعد الرجوع 100 عام إلى الوراء لفك لغز عهد شيطاني قديم مرتبط بحاضره.
وقد صرح مؤلف المسلسل أن هذا الجزء أضاف شخصيات وأحداث غير مسبوقة لضمان استمرار التشويق وعدم تكرار الأفكار. الجدير بالذكر أن المنتجين أعلنوا أثناء عرض هذا الموسم أنه سيكون اللقاء الأخير لأبطال «المداح»، ما جعل الجمهور يترقب خاتمة الصراع بين الخير والشر.
الجزء السادس (رمضان 2026) – «أسطورة النهاية»
الموسم الأخير المنتظر من سلسلة «المداح»، والذي أُعلن أنه سيكون فصل الختام لمسيرة صابر المداح. من المقرر عرض هذا الجزء في رمضان 2026، لتصل بذلك السلسلة إلى ستة أجزاء متتالية منذ 2021.
لم يُفصح عن تفاصيل حبكة الموسم السادس بشكل رسمي بعد، إذ يحرص صناع العمل على إبقاء عنصر المفاجأة. لكن من المتوقع أن يشهد صابر المعركة النهائية والأكثر ملحمية ضد قوى الشر، حيث يجب أن يفي بالعهد الذي قُطع في المواسم السابقة لتخليص العالم من شرور الجن.
صرح فريق العمل أن الجزء السادس سيضم عودة العديد من الشخصيات التي ظهرت في الأجزاء السابقة كضيوف شرف ضمن الأحداث، مما يوحي بأن النهاية ستربط كل الخيوط والأساطير معاً. الجمهور بانتظار معرفة مصير صابر: هل سيتمكن أخيراً من إنهاء اللعنة وكسر العهد الشيطاني وتحقيق الانتصار الحاسم ؟
عنوان الموسم «أسطورة النهاية» يوحي بأن المواجهة المقبلة ستكون فاصلة ومليئة بالرعب والتشويق كما لم نشهد من قبل.
استقبال الجمهور والنقاد
على الرغم من الحساسية الدينية لموضوع المسلسل واعتماده على عالم الجن والسحر، فقد حقق «المداح» نجاحاً جماهيرياً كبيراً في مواسم عرضه. إذ تصدّر المسلسل قوائم المشاهدة الرمضانية لعدة سنوات متتالية، مؤكّداً أن قصص الأساطير الشعبية عن الجان تلقى صدى واسع لدى الجمهور العربي.
فقد أشار نقاد إلى أن ثيمة البطل الذي تحاربه جنية أو قوى خفية متجذرة في الوعي الشعبي العربي وتراثه، مما جعل المتابعين يشعرون بالمتعة والإثارة لأن العمل يلامس موروث الحكايات عن البيوت المسكونة وحوادث السحر التي ما زال الناس يتناقلونها.
ومما دعم شعبية «المداح» أيضاً الأداء الواقعي لحمادة هلال في دور صابر، والذي استطاع إيصال الصراع الداخلي للشخصية بين إيمانها وخوفها بشكل مؤثر.
لكن نجاح المسلسل لم يكن بلا جدل. فمنذ أجزاءه الأولى ظهرت تحفظات لدى بعض المشاهدين والنقّاد خاصة على استخدام التعاويذ والطلاسم السحرية ضمن الأحداث.
مع عرض الجزء الخامس مثلاً، تجدد الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي بدعوى ظهور طلاسم حقيقية في المشاهد أو حتى في شارة البداية. دفع ذلك بعض المختصين إلى التحذير من تأثير هذه المشاهد على الجمهور؛ حيث صرحت د.هبة عوف، أستاذة التفسير بجامعة الأزهر، بأن عرض الرموز السحرية قد يترك أثراً سلبياً خصوصاً على الشباب والأطفال، إذ قد يثير فضولهم بشكل غير صحي نحو العالم الخفي.
وأضافت أن توظيف مثل هذه العناصر في الدراما ربما ينشر أفكاراً وممارسات ضارة أو يُنمي تعلقاً غير منطقي بالغيبيات. بالمقابل، يرى نقاد فنيون أن جرأة المسلسل في طرح موضوع الجن والسحر هي جزء من تجربته الفنية الناجحة والمثيرة للجدل، فهو يقدّم التشويق والإثارة مع لمسة رعب تناسب شريحة واسعة من الجمهور الرمضاني.
وقد علّق الناقد محمد طه أن «المداح» بأجزائه يمثل تجربة فريدة تمكنت من جذب المشاهدين عاماً بعد عام رغم الجدل، معتبراً أنه عمل تشويقي ترفيهي يوازن بين الجانب الدرامي والخيالي لتحقيق المتعة للمشاهد.
من جهتهم، تعامل صنّاع المسلسل بذكاء مع هذه الانتقادات. فقد أكد بطل العمل حمادة هلال في أكثر من مناسبة أن «المداح» ليس عملاً وثائقياً دينياً بل دراما خيالية لغرض الإثارة.
وردّ هلال على من ادعى وجود طلاسم حقيقية قائلاً بسخرية إنهم لو استخدموا سحراً حقيقياً لتعرّض هو وفريق العمل للأذى أولاً، ولكن الحمد لله الجميع بخير والأهم أن المسلسل ناجح. وأوضح أيضاً أن الطلاسم الظاهرة ليست حقيقية بل تم تصميمها بشكل لا يؤدي لأي تأثير، احتراماً لسلامة الممثلين والمشاهدين.
كما كشف أن فريق العمل يستعين بمستشار من الأزهر الشريف أثناء مشاهد تلاوة القرآن لضمان النطق الصحيح وعدم تجاوز الضوابط الدينية. هذه التطمينات هدأت من مخاوف البعض، وأظهرت حرص صناع «المداح» على التوازن بين التشويق واحترام الحس الديني لدى الجمهور.
بالنتيجة، استطاع «المداح» أن يفرض نفسه كواحد من أنجح مسلسلات المواسم الرمضانية الأخيرة. فرغم سخرية أو انتقادات بعض رواد مواقع التواصل، حظي العمل بنسب مشاهدة مرتفعة وولاء جمهور كبير يترقب أجزائه الجديدة بشغف.
وقد تجاوزت شعبية المسلسل حدود مصر لتلقى رواجاً عربياً واسعاً نظراً لتناوله موضوعاً مشتركاً في المخيلة الجمعية العربية وهو حكايات الجن والعفاريت.
وبين مؤيد أُعجب بأجواء الرعب والتشويق التي يقدمها، ومعارض يرى فيه مبالغة في الخيال أو تشجيعاً غير مقصود للخرافات، يبقى «المداح» ظاهرة فنية استثنائية في دراما رمضان الحديثة.
ومع اقتراب عرض «أسطورة النهاية»، يأمل الجمهور والنقاد على حد سواء أن يقدم الموسم الأخير خاتمة تليق بهذه السلسلة، فتُحسم أخيراً المعركة بين صابر المداح وقوى الشر التي خاض معها رحلة طويلة بين الواقع والخيال.
0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .