28 يوليو 2013

لسنا إلا عابرين

تأليف : رقية أبو الكرم
تأملها طويلاً، بثوبها البسيط الممزوج بأوراق خضر متطايرة على مساحته السوداء، الممتد حتى كاحلي قدميها، يتوسطه خيط من نسيج ثوب آخر؛ يلم خصرها، تعتليه زركشة جميلة، توحي أن الثوب قد خاطته امرأة لم تسمع يوماً بنظرية الألوان المتضادة، أخذت مقاسها من مقاس أثواب بنات جيلها، ولم يعنها كيف ستبدو بثوب منساق مع تفصيلات جسدها، لا محض ثوب يكسوها بألوان براقة.



  (نسمة) ابنة الربيع الحادي والعشرين، تسكن قرب الشاطئ، في قرية محاذية لطريق بري، ما بين المدينة والعاصمة.

لم يكن العطب الذي حدث في محرك سيارته هو ما دعاه للوقوف طويلاً، أمام تلك العفوية البرية، والأنوثة الصاخبة. عينان مكتحلتان بأثمد لم تتنازلا عنه، مصحوبتان بنظرة خجلة. شفتاها شاحبتان، بدتا كأرض مالحة، كانت بحيرة ذات يوم فمر بها جفاف، لم يخلف وراءه إلا أرضاً امتصت من شقوقها ملوحة الماء. تربكها خصلات شعرها المضفور، التي تطايرت من تحت الملاءة المنسدلة، مع نسمة هواء رطبة، هبت بين وقت وآخر. تجلس على قمة صخرة، تدلي رجلها لتلامس سطح جرف النهر، وتحرك الماء بأصابعها، حين يتدفق بنشوة نحو رجلها البضة.

(فريد) في حيرة من أمره، هل يصارحها ؟ أم يسألها ؟ أم يباغتها في لمحةً ضوئية ؟ تقدم خطوة من الجرأة وخطوة من الخوف والوجل، اقترب منها عن بعد، وحياها عن صمت. استدارت في لمحة، ملأت جرارها في لمحة، غسلت طرف ثوبها في لمحة، تحايلت مع ضفائرها في لمحة، مشت مدبرة ومشى مقبلاً على الطريق.

 كان اليوم الأول الذي جمع فيه لمحات (نسمة) في براويز، متسلسلة على فسحات الجدران البيض. لم تكن إلا هي هناك، ملأت الرواق بفوضى لمحاتها التي نفدت منه في أسبوع، إلا تلك اللمحة التي تعمّد الاحتفاظ بها. لشدة إلهامه بعمق النظرة، كان يحرص عليها من الخدوش، وما قد تؤول إليه ظروف النقل، ما بين المعرض وغرفة كانت أشبه بمخزن للصور، لقد باتت أيقونة معارضه الشخصية، وموديل أحلامه، حلمه الذي أعاده متداعياً إلى ذلك الجرف وتلك النسمات، بحثاً عن نسمته، انتظر طويلاً وكثيراً من الصبر.

   سأل نفسه؛ "هل أسأل عنها وكيف؟ أهل الريف لا يستسيغون السؤال عن نسائهم من رجل أجنبي مثلي، وما من حيلة تنطوي عليهم، لا أعرف مكانها ولا أين هي، وكيف لي أن أوصل لها إحساسي بها في لمحة ضوئية، اقتنصتها منها ذات غفلة".

   عاد بخطواته البطيئة وآماله الكبيرة في أن يحصل على شيء يدله عليها، بحجة كاذبة واهية، كيف له أن يتخلص من هواجسه، كلما وقف أمام برواز صورتها وسحر نظرتها ولذعة حركتها. شيء ما، سر ما يحركه، ليعود مرة أخرى وأخرى، عسى أن تفرغ جرارها، أن يتلطخ ثوبها، أن تسوقها رجلها البضة من جديد إلى الصخرة، لتداعب الماء.

 تلك الملاءة تنساب ببطء بين الشجيرات، يعدو مسرعاً هلعاً، يتعثر قلبه قبل قدميه، تخفق شفتيه في أن تناديها باسم ليس اسمها، يكاد يصل على بعد المسافة التي تفصله عنها، تتلفت إليه... من خيبة ظنه يخونه الكلام، يتلعثم :
  
 - كنت هنا ذات قدر، جاء بي يوماً مصادفة، أضعت شيئاً مني وأنا أبحث عنه الآن.

   تجيبه هي، وليست هي :
  - وهل أساعدك لتجد ما أضعت؟ ولكن استبعد أن تجد ضالتك، عادة ما نضيعه هنا لا نجده مجدداً. انسَ ما أضعت ولا تهلك نفسك في البحث.

   بنفس طويل وخيبة يرد:
   - أظن ذلك سيدتي.

   تمشي، تبتعد عنه مسافة بضعة أقدام. يعيد التفكير، يحاور نفسه وهو مرتبك الحواس؛ "ربما لو سألتها عن تلك النسمة، ربما لو تحججت بأنها كانت هنا يوم أضعت قلبي، وجمدت حياتي في تلك اللمحات.
   عاد اليها يناديها من بعيد:

   - سيدتي... هل لي بسؤال ؟

   تجيب ضاحكة بنظرة متعجبة:

   - سيدتي؟! ما سمعتها من قبل، عادة تطلق على الأسياد، لا علينا. هات سؤالك أيها العابر.

  - يوم كنت هنا وأضعت أشيائي، كانت هناك على الجرف امرأة، تجلس على تلك الصخرة، كانت تبلل ضفائرها، تغسل طرف ثوبها... لربما هي وجدتها بعدي.

   ترد باستغراب :
   - عادة لا تجلس النساء هنا ليبللن أشيائهن على مرأى من الجميع، فقريتنا صغيرة، ونساؤنا يجلسن في عصبة دوماً !  ولكن صفها لي، برغم أننا لا نملك أوصافاً ثابتة.

 تأمل في صمت ووصف :
   - هي...
سمراء من لحم ودم
مشقوقة الفم
ارتشفت من عطرها أنفاسي
ارتشفت من ثغرها خمري
إن أقبلت، ناعمة
وإن أدبرت لينة...

 بدا في غفلة أخذته بعيداً، نظرت إليه متعجبة، قالت:
- أيها الغريب ما بالك؟ قلت لك صفها لي لعلي أعرفها لأساعدك.

   أجاب وهو منهك القوى بائس الطلة :
   - لا أذكر وصفاً لها، سوى ثوبها الممزوج بالأوراق المتطايرة الخضر على ساحته السوداء، وملاءتها التي تشبه لون ملاءتك. لعله السبب في المجيء صوبك، ظننتك هي.

   عاد أدراجه يائس المظهر، قاطع الأمل، حزين الملامح، كئيب الوجه. يحاور نفسه كمجنون أضاع عقله على الجنادل، بمحاذاة الجرف؛ "ما زلت أحس لها شذى... ما زلت أحس لها أثراً".

   فتح الباب بهدوء، أنار عتمة المكان، وبالهدوء ذاته أغلق الباب. في الغرفة المجاورة لغرفته، اتجه صوب لوحته، تلمسها، مرر أصابعه بمحاذاة شفتيها، طار مع الخصل المنفلتة من ضفائرها، لملم ملاءتها، مسح ما سال من كحلها الأثمد على وجنتيها؛ بشيء من الاشتياق، وعلى أمل اللقاء بها... نام ليلته. مضطجعاً على سرير يتقاسمه وزوجته، حتى صباح آخر، ليوم آخر من الحيرة والصمت.

   سألته بجمود ورتابة، على طاولة الفطور، وهي ترشف القهوة :
   - ما بالك منهار القوى كئيباً؟!

   - لا شيء مهم، هي زحمة العمل فحسب. وزيف المجاملات لرواد المعرض، فمنذ أسبوع وأنا أتجمل وأتبسم. اليوم فقط أريد أن أكون على طبيعتي.

   رن هاتفه، رد بصوت أجش:
   - أهلا عزيزي، هل من جديد؟... انتظرني إذن.

   أنهى اتصاله، خرج من بيته إثر قبلة طبعها على جبين زوجته. هكذا تتحول القبل، بالصعود من الشفاه حتى الجبين، مع كل عيد زواج، تكون المودة أوضح من الحب.

   ما إن وصل ستوديو صديقه (حسان)، حتى استقبله بحرارة، لنجاح معرضه والقصة التي قدمها من خلال الصور لـ(نسمة). ألح عليه بأن يبيعه آخر صورة بقيت من الصور:

   - سأضاعف لك المبلغ، أنها لقطة ساحرة أحب أن اقتنيها.

   رد عليه بعناد وضجر:

   - كيف لي أن أبيع أحدى نسائي، فهذه الصورة اعتبرها امرأتي التي أبحث عنها، هي ما تبقى لي من الصور، تعمدت أن أبقيها لأهديها لصاحبتها، لعلها تعيد لي ما سلبته مني لحظتها.

   أمسك بكتفه وهمس له :
   - لا تظن نفسك قد أحببت هذه الصورة أو صاحبتها يا صديقي، أنت تتوهم الحب، تتوهم الجنون بها، ليس إلا موضع الجمود في حركة الصورة، والإحساس المفعم بالحياة، وعفوية هذه الفتاة هو من ألهمك. لو التقيت بها عن كثب، فلن تحبها كما هي هنا في هذا الموضع.

   رد عليه دون قناعة:
   - ربما.

   - حتماً.

   تتأجج الرغبة في داخله يسوقه الفضول ليعرف، لربما صدق قول صديقه حسان، لو عرفها عن كثب لعاد قلبه إلى رشده.
   بعد رحلة قصيرة في السيارة وقف على قارعة الطريق في ذات المكان، حين عطب المحرك أول مرة لمح بها نسمة. ها هو ذات العطب يعود دون مبرر! برغم أنه قد دقق في محرك السيارة، خصوصاً هذا العطب. لم يكن أمامه إلا راعياً للغنم، يرعى عن بعد أقدام منه.

 اتصل بصديقه ليساعده بإحضار مصلح أو شاحنة تنقذ سيارته. فكر في نفسه أن يمضي إلى الراعي ويجالسه قليلاً، ثم يقنعه ببعض الصور التي تعوّد أن يلتقطها حيثما ذهب. كاميرته لا تفارقه طوال الوقت، هو يعشقها ذات العشق الذي عشق به نسمة، التي لم يحاورها ولم يسمع لها صوت. لم يعرف إلا تلك اللحظات المسروقة التي التقطتها الكاميرا، ليجمعها في معرض (بنت الريف)، وما تحمله من جمال فطري. حتى اسمها كان من اختراعه، إذ لم يجد أجمل من نسمة داعبتها حين فضحت حسنها، في هبة أسدلت ملاءتها، وأدلت قلبه حينها.

   مع صوت منبه سيارة حسان، انقطع عن آخر لقطة التقطها بين قطيع الأغنام، وهي ترتوي على جرف النهر. نهض بهدوء كعادته، يمشي خطواته بالهدوء ذاته، حتى وصل السيارة. مضى عامل الصيانة يدققها من كل صوب، لم يجد مبرراً لذلك العطب الذي أصلحه في دقائق، متعجباً من بساطته كيف يوقف محرك سيارة؟! فضّل أن يكون في سيارة حسان، وترك لعامل الصيانة سيارته ليلحقه بها، أراد أن يعيش لحظة استرخاء دون قيادة، مقلباً الصور التي التقطها في برهة من الزمن للراعي وأغنامه.

   قلب اللقطات بدقة، حين وصلا الستوديو، بحث عن الجودة في الاختيار، دفع الفضول حسان في أن ينظر في الصور؛ ليستعرض ما اقتنصته العدسة أثناء عطل السيارة. مر حسان على الصور دون أن يعلق، وقف عند واحدة برهة مدققاً، باستغراب قال:

   - فريد... كيف استطعت أن تلتقطها بهذه السرعة؟
   - أية واحدة؟
   - تلك التي فيها ملهمتك تبتسم لك، ترتشف الماء بيدها مع أحد الخراف، الجميل أن الخروف مطمئن إلى حد كبير!

 رد باستغراب :
   - أية ملهمة، يبدو ان الصور تختلط عليك. لم يكن هناك من أحد سوانا أنا والراعي وبعض النعاج.

   - يا رجل تعال مكاني وأنظر، يبدو أنك تنسى المواضع التي مرت بها عدستك من شدة انغماسك وقتها.

  لم تكن سوى الدهشة ما عقدت لسانه! كيف؟ ومتى؟ وأين كان منها إذاً؟ ما الذي جاء بها هنا؟!

  من جديد تباغته بنظراتها، دخلت متسللة إلى فوهة العدسة، دخلت عقله، استحوذت على عينه الثالثة ثم اخترقت الأولى بلمحة، لم يحس بوجدها، كيف تفر منه ساعتها؟ كيف يلتفت ولا يراها؟ أين سلت نفسها؟ منذ شهور وهو يبحث عنها، وفي لحظة يأس وبدون عناء جاءته! لم يكن له إلا أن ينتظر فلق الفجر حتى يعود إلى ذات المكان ملهوفاً، باحثاً مبعثر الهندام، منتفخ العينين، بدا عليه تعب ليلة قضاها متقلباً في فراش الدهشة والشوق.

 - ما الذي جاء بي هنا؟ وما حل بي؟ هل هي صورة سرقتني؟ أم هو شيء أكبر من لحظة ضوئية؟ شارد الذهن مسروق القلب متسللاً كاللصوص؟ لست أنا الذي هنا، لست أنا الذي معي، هجرت مضجعي، سلت روحي، ربما فيّ ضرب من الجنون أصابتني به يوم استوقفني ذاك العطب الملعون، نزلت لأبرد نفسي، وما وعيت أنني رحت لاشتعل من بردي.

   ليست إلا نسمات الصباح الباكر، مصحوبة برائحة شجيرات (الطرفة)، وصوت حفيفها المتناغم مع صوت انسياب ماء النهر، معزوفة لحنتها الطبيعة. لم يدرك الساعات الباكرة التي صاحبته إلى هنا، كان وقت الشروق قد حان بعد الفجر والسحر. جلس على الصخرة، شهق نفساً طويلاً، يتنهد، خلخل بأصابعه خصلات شعره المسحوبة إلى الخلف، أغمض عينيه ليفتحها على صوت تسلل من خلفه.
   - أ هذا أنت؟

   التفت وراءه، رد بعد صمت قصير:
   - جئت في وقتك، وفـّرت عليّ عناء البحث عنك.

   - ماذا جاء بك هنا في هذا الوقت الباكر؟ وما الذي تريده مني؟ عساه خيراً يا رجل؟

   - لم أعد أعرف أين الخير من كل هذا الشر.

   يجيبه الراعي متعجباً:
   - أي شر تتحدث عنه؟

   - شر قدر تلك الليلة التي جاءت بي إلى هنا، ليحدث ذلك العطب في سيارتي، فتقف على قارعة الطريق، وأنزل إلى الجرف هنا... صادفني شيء ما، سرق مني خيري كله، ولم يترك لي سوى صمتي وشرودي. أحياناً نترك أشياء دفينة في طي الكتمان عمراً من الزمن، فتأتي لحظة توقظ كل ما دفناه، وما ادعينا نسيانه. أشياء تولد معنا بالفطرة، نواريها، نجعلها أولى خطايانا وأول حب نستسلم له هو أولى خطيئة نرتكبها... هنا ارتكبت خطيئتي. كنت ذلك التقي الذي لا يخطئ في حب، ولا يحمل إثم شوق لحبيب. اليوم أنا المذنب الأول، امتلأ ميزاني بالسيئات، جئت هنا لأكفر ذنوبي وأحاول أن استعيد تلك التقوى، أجلس هنا لأرجم شيطاناً وسوس لي، لأعشق ملاك.

  ناداه الراعي كمن ينادي أغناماً شردت عن سرب القطيع.
   - هيّه يا رجل، ما بالك صامت شارد؟ سألتك عن الشر الذي تحدثت عنه، هل تجيب الناس بالصمت والشرود؟ هل أكلت عقلك جنية النهر؟

   أجابه متبسماً بمزحة:
   - ربما الجنية التي تحدثت عنها، هي كل شري، وربما هي اللص الذي أبحث عنه.

   - أنا لا أمزح معك يا سيد، لا يهمك مظهري وملابسي الرثة، فأنا خبرت هذا المكان، أعرف عن أسراره الكثير، أكثر من أهله.

   - وتلك الجنية؟

   - هي... لا ليست بلصة كما تظن. ربما تسرق، ولكن أشياء لا تخطر على بال لص آخر، أخبرني ما هو نوع السرقة التي تعرضت لها؟

   أجابه بشيء من الحيرة والتردد:
      - ربما أخبرك.

   - ولم تضع تلك الاحتمالات؟

   - أنا غريب عنكم، وخبرت طباعكم.

   - ومن قال لك أنني منهم؟

   رد عليه بشيء من اليأس مصحوباً بتعب:
   - كلنا غرباء لسنا إلا عابرين.

   نهض مقبلاً إلى الطريق العام، فتح باب سيارته، نادى عليه الراعي من بعيد، وهو يومئ له لينتظره، وصله ووقف عند الطرف الثاني من السيارة، أمسك بيديه زجاج السيارة.

   - قلت إنك تريدني وفي نيتك البحث عني؟

   - ربما في ما بعد ليس الآن.

   - ستعود حتماً.

   - وما هذه الثقة التي تحتم عودتي إليك، أنا قلت ربما، وهو شيء محتمل ليس حتمياً!

   - ستعود، وإن لم تجدني هنا ابحث عني، فأنا قريب دوماً من هنا.

ما إن مشى مسافة حتى عاد أدراجه متردداً في سؤال ذلك الراعي عن مكان نسمة، قدم لنفسه اقتراحات ومبررات عن سبب أسئلته. كان الراعي منصتاً إلى تلعثمه ومبرراته التي فهم منها الكثير، لم يرد عليه إلا ببعض الكلمات التي اختصر بها كل أسئلته:

   - كل شيء سيزول، وربما هو زائل، ولكن لن تحس به أو تدركه حتى ينتهي.

   لم يفهم شيئاً من كلام الراعي، حينها أدبر عنه وسلك طريق آخر مبتعداً شيئاً فشيئاً، حتى تلاشى هو وأغنامه.

   بين الحين والآخر يعود به الحنين إلى تلك القرية، وعلى جرفها، حتى بدأ رويداً رويداً يتغلغل في القرية، يأخذ بعض الصور من هنا وهناك. ما كان يطمئنه ويثير العجب فيه، أن أهل القرية لم يقتربوا منه، لم يسألوه في شيء، وكأنه لم يمر بهم، ثمة رجل عجوز، كلما مر من أمامه؛ تراوده فكرة الحديث إليه. جلس بقربه، بعد أن ألقى عليه السلام:

   - مرحباً يا عم.

   رد عليه العجوز بعد أن رفع رأسه قليلاً، ليمعن فيه النظر:
   - طبت أهلا .ً 

   - في خاطري أن أسألك عن أحوالكم هنا، فأنا أجوب المكان منذ مدة ليست بالقريبة، ولم يصادفني أن يسألني أحد منكم من أكون أو ماذا أفعل؟ التقط الصور أينما أريد، أتجول كسائح عرف أهل القرية بمروره مسبقاً.

   شهق العجوز نفساً من غيلونه، نفث الدخان، لفت رأسه إلى فريد:
   - وهل بدا منك شيء سيء يثير الفزع فينا، منذ دخلت وأنت بسلام معنا. لم يبدر منك إلا الطيب يا رجل. ولكن هل وجدت تلك الفتاة التي كنت تبحث عنها؟

   أجابه بدهشة:
   - وكيف عرفت بأمري؟

   -  ليس المهم كيف عرفت، المهم هل عثرت عليها؟

   - لا لم أعثر عليها بعد، لكنني أشم عبق عطرها هنا في كل مكان، سحرتني هي، جعلتني أحب المكان كما أحببتها.

   كان ينظر إليه بشيء من الخوف، وهو يسأل نفسه كيف أخذني الكلام، وأخبرته بما لم يجب أن أخبره به. ماذا سيصنع بي، وأنا أتحدث عن نسائهم بهذا الفضول!

   أجابه الشيخ بهدوء:

   - لا تخف يا بني، ليس هناك من إثم ارتكبته، ولكن الإثم أن تحب وتعشق من لا تعرفه.

   رد فريد بدهشة :
   - وكيف عرفت ما في خاطري من قلق وخوف؟

   - هو ما وجسته منك.

   - هل تعرف شيئاً عنها؟

   - ربما خبرت عنها شيئاً ما، إنها في الحادية والعشرين، تملأ جرارها من الجرف بين الفنية والأخرى، تمر من هنا وقد لا تمر اليوم، أظنها تركت المكان، وسافرت إلى ارض أخرى، وربما أيضاً سنلحق بها قريباً.

   - وهل ستعود يوما ما؟

   - ربما... فهذا أمر ليس بالبعيد، والمسافات التي تقطعها أنت بالليل والنهار، تقطعها هي بلمحة برقية.

   قالها مبتسماً... قام من مقامه، مشى وترك فريد بصمت وذهول، عائداً من حيث أتى، فاقد أمل عودتها، مندهشاً من الشيخ وما حدثه به.

مرت بعض الشهور على فريد، وهو منغمس في عمله لترتيب تلك الصور التي أخذها للقرية؛ ليقدمها في معرضه القادم. ما إن بدء يعلقها على جدران الرواق، حتى بدت دهشة حسان أكثر بسحر الصور.

   - برغم بساطة تلك القرية وبيوتها العتيقة، إلا أنك أضفت سحراً من عدستك إليها يا فريد.

   أجابه وهو يمز دخاناً من سيجارته ويلقيها على البلاط ليدهسها تحت قدمه، ويطفئ جمرتها، كأنه يطفئ غضباً اشتعل فيه:
   - بل هو سحر المكان، نحن تعودنا العمران والزهو، ونسينا الريف والبساطة، حتى بدت لك سحراً. كل ما نفتقده سحر لنا.

   امتلأ المعرض بالرواد، من الفنانين والذواقة، كانت جولة نجاح لفريد لم تسبق أن حدثت له، إلا بعد تجربته في معرض صور نسمة، كانت صورتها في مقدمة الصور منفردة، تكبر الصور حجماً واهتماماً.

   أمسية وعشاء جمعته بأصدقائه المصورين، حتى دخل برهانٍ معهم، أن يتحدى من يلتقط صوراً لتلك القرية أكثر منه دقةً. لقد قضى شهوراً بين بيوتها وأزقتها وأطفالها وشبابها، وحادثَ شيخاً يبتسم له، كلما التفت ليراه، وما أن يدير ظهره حتى يتوارى عنه كطيف.
   كانت ساعات الفجر الأولى هي ساعة جمعت شمل كل من راهن فريد، على أن يكون أكثر اتقاناً منه. كانت سيارة فريد في مقدمة الركب، كي يدل على مكان القرية. أخذه الحديث مع بعض الأصدقاء، حتى عبر الطريق وأخذ وقتاً أكثر دون أن يتنبه إلى انه قد تخطى المنطقة المقصودة. عاد عدة مرات بحثاً عن العلامة، كانت في أول الطريق، نزل يتفحص المكان، وجد العلامة ملقاة على الأرض، مهملة وكأن سنين مرت عليها وهي مدفونة تحت كومة تراب، لم يظهر منها إلا الرقم (60).

   مد يديه إلى حافة القطعة حاملاً إياها من تحت كومة تراب متصلبة، وقد مر عليها وقت طويل متوارية تحت تلك الكومة. ملفتاً النظر إلى جدول ماء منساب في قعر وادٍ صغير، محاط بقصب بري يابس ضئيل، متوارٍ بين كثبان التراب. ما من حياة في تلك المنطقة التي تشبه مربعاً ضحلاً، ليس فيه ما يشرح النفس، ليس هناك إلا ما يغمها ويزيدها انقباضاً. بدا الغضب على وجوه بعض أصدقائه، والعتب على البعض الآخر، منهم من راح يلومه على قلة ذوقه وأنانيته في أن لا يدلهم على تلك القرية، حتى يتجنب أن يباريه أحد، ليبقى هو في الصدارة من حيث الاختيار والتقاط صور أكثر تميزاً من دونهم. اكتفى حسان أن يلقي اللوم على الذاكرة التي خانت صديق عمره فريد، وأضاعته عن المسار. لم يكن يستوعب فكرة الأنانية التي قذفوا بها فريد، إذ خبر حسان طباع فريد وهو أقرب إليه منهم.

تركوه وركبوا سياراتهم متجهين إلى طريق العودة، يصحبهم الغضب والعتب على فريد. ما من أحد سامح فريد سوى حسان، ربت على كتفه واستمع إليه والحيرة تصاحب كلماته:
   - إما أنني أضعت المكان أو أنني أضعت عقلي! أ يعقل أن تمسح قرية عن بكرة أبيها في غضون شهر؟

   - وهل أنت متأكد من موقع القرية في هذا المكان؟

   - بكل ما أوتيت من يقين وثقة، إنها هنا، وهذه القطعة العتيقة التي أكل الدهر عليها وشرب، وكأنها وجدت تحت التراب منغرزة عمداً، تناديني لتدلني وتؤكد لي الموقع.

   - وما حكاية هذا الرقم (60)؟ هو ما تبقى من القطعة، والبقية متآكلة من الصدأ.

   - هذا الرقم كان يوقفني هنا كثيراً، لا أعرف شيئاً عنه، أو مكملاً له، سوى كلمة كانت ترافقه لتكمل الجملة هي (المربع/ 60)!

   - أ لم تسأل عنه يوماً لتفسر هذه الجملة؟

   - لا... لكنني في موقف يدعوني لأسئله كثيرة.

   - إذن ما من شيء أمامنا إلا السؤال عنها.

   كان مسرعاً على غير عادته، هلعاً يزيد من ضغطه على دواسة الوقود، ليزيد سرعة السيارة. يلحق به حسان محاولاً أن يجد بعض المبررات لفريد، ليحافظ على هدوئه، حتى وصل إلى مبني البلدية. بعد دخوله راح يسأل عن الأقسام التي تعنى بالتقسيم والخرائط، وترتيب القطع. على الرغم من بحثه الطويل بين الخرائط التي تعود للمناطق المحاذية للمدينة، لم يجد شيء ما يخص تلك القرية، لم تكن على الخارطة التي احتوت تفاصيل دقيقة عن المدينة، وما يعود لها. جلس على الكرسي المقابل لمدير القسم، منهك القوى قاطع الأمل، حتى جاءه أحد موظفي القسم، وطلب منه أن يوضح له ما يحتاج من تلك الخرائط.

   شرح له بشكل مختصر أنه مر بقرية ما، قريبة من المدينة، وهو يبحث عنها لأنها نقطة دالة لأمر يهمه، واليوم لا يجد منها ألا تلك القطعة المعدنية التي تشير إلى (المربع/ 60) ولم يفهم من تلك القطعة إلى أي شيء هي تدل. إتجه الموظف إلى حاسوب يخزن فيه الملفات والخرائط، وبعد أن وجد شيء ما يخص المربع، راح يشرح له بهدوء وبطريقة مقنعة:

   - كل ما عرفته عن تلك المنطقة أنها حقل مغناطيسي، والقطعة المثبتة دلالة على موقع ورقم الحقل (المربع/ 60)، إذ أن المنطقة فيها حقول متسلسلة، وهذا الحقل أقرب حقل على الطريق العام.

   نظر فريد إلى الموظف، زم شفتيه، قال متأسفاً:
   - أ و كنت في حقل من مغناطيس؟ أم كنت في وهم الحب؟ وهل تجذبنا تلك الحقول، أم نحن من ينجذب إليها؟ 

   خرج فريد يقهقه مع نفسه، قابله حسان يلهث وهو مسرع صوبه خائفاً قلقاً. مر فريد قرب حسان ولم يشعر بوجوده، ركب سيارته وهو يقهقه ضاحكاً، أمسك حسان بمقبض باب سيارة فريد، محاولاً إيقافه ليفهم ما يحدث، لم يشفِ غليله سوى بكلمة ألقى بها على حسان، قبل أن ينطلق بسيارته:

   - لا تتعجب يا صديقي... لسنا إلا عابرين.

تأليف : رقية أبو الكريم

من أعمال رقية أبو الكرم 

0 تعليقات:

شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.