27 أغسطس 2025

بيت يسكنه العهد

منزل يسكنه العهد - قصة قصيرة كتبها كمال غزال
تأليف : كمال غزال
لما اشتد المرض على سالم، جلس على شرفة البيت المطلة على بستان الليمون، شاحب الوجه، يداها في يده،  قال بصوت لم يَخلُ من صلابة: " يا هند، إن سبقتك إلى التراب فلا تجمعي رأسك برأس عدوي. أقسمت بعهد بيني وبينك؛ لا تنكثيه. إن فعلتِ… فلن يترككِ قلبي في سلام."

لم تكن هند ممن يخاف الكلمات، لكن نبرته تلك دخلت عظمها كبرد مقيم. عرفت أن لسالم عدواً واحداً اسمه “ماهر”: رجل لمع في السوق بلمعانٍ زائف، يلتقط الأرباح من حواف الاحتيال، دبّر تزويراً أسقط به صفقة العمر لـ سالم، وأشاع بين التجار تهماً لطخت سمعته، وكان ما لا تتناقله الألسنة أعظم :  أن ماهراً كان يطوف بالبيت القديم أيام خطبة هند، ويمر من أمام الشرفة ببطء يشي بأن قلبه لم يبرأ منها، هكذا تراكمت العداوة: رزق مطعون، وشرف مخذول، وقلب قديم يطل من نافذة الماضي.

مات سالم بعد شهور، رحل كمن يترك بيته أمانة في حضن السماء،  لبست هند ثوب السواد سنة كاملة،ثم أخذت الوحدة تلتهم أعصابها قضمةً بعد قضمة، قالت لنفسها إن الندب لا يصنع خبزاً، وإن العمر إن لم يمشِ يمشي فوقه الناس، ظهرت أيد كثيرة تجرّها إلى الحياة، وألسنة مشفقة تهمس: "أنتِ شابة". ثم جاء ماهر، جاء بوجه أملس عليه طبقة من الحزن، وبكلمات محسوبة تتلون بلون الحاجة،  قاومت، ثم ضعفت ، قالت: " هو رجل من أهل المدينة، ولعل الحرب القديمة كانت حرب رجال فقط، وما ذنبي أنا ؟ " ، وقّعت عقد زواجها بيد مرتعشة، وفي صدرها شيء يشبه العناد وشيء يشبه الاستسلام.

لما سُئلت أين تسكن، قالت بجفاء اكتسبته فجأة: " في بيتي ... بيت سالم هو بيتي."، هكذا أدخلت ماهراً إلى بيت خصمه؛ إلى غرفةٍ ما زالت رائحة العطر البسيط فيها تفوح من الأخشاب، وإلى خزانة تتدلى فيها ربطة عنق لا صاحب لها ، رأت أمّها في ذلك خيانة مضاعفة، ورأى فيه المعارف والأقرباء تطاولاً على حرمة الغائب، أما هي فكانت تقول لتداري ارتجافها: " البيت لا يعرف سوى من يفتحه ويدخله."

في الليلة الأولى نام ماهر على السرير الخشبي العتيق كمن فاز بجائزة مؤجلة، فيما ظلت هند يقظة تسمع أنفاس البيت، قبيل الفجر أصدرت الأرض تحت السرير أنيناً عميقاً، ثم سمعا معاً - أو لعلها وحدها فقط - طرقاً خفيفاً على باب الغرفة، ثلاث نقرات فاصلة، كأن ما وراء الباب لا يستأذن للدخول بل يذكّر بوجوده.

توالت الإشارات، في المساء الثالث، كانت المرايا تعكس وجوهاً ناقصة، شفاه بلا أعين، أو أعينٌ بلا وجوه ، وفي صباح اليوم الخامس وجدت هند أثر أقدام مبتلة تمتد من عتبة الباب إلى نهاية الممر مع أن الطقس صحوٌ وجاف،  قالت لماهر: “ ماءٌ انسكب.” ، ضحك وقال بسخرية: " ما الغريب ؟ كل بيت قديم يتململ كما يتململ شيخ أثقلته السنين". لكن الضحكة كانت نافذة إلى خوف حاول أن لا يراه.

في اليوم السابع، انهارت خزانة الملابس العتيقة بكامل هيبتها، فتدحرج منها صندوق من خشب الجوز كان سالم يخبئ فيه رسائل لم يطلع عليها أحد. جلست هند على البلاط البارد، وطردت ماهراً من الغرفة بحجة أن رائحة الغبار تخنقها، فتحت الصندوق، فوجدت رسالة بخطّ سالم: " يا هند، العهد ليس وعداً يُقال ثم يُنسى، بل هو روحٌ تقيم في الجدران، وأنفاسٌ تظلّ معلّقة في الوسادة، وظلّ ينام على العتبة ، إن كسرتِ العهد، فلن يخونك البيت وحده، بل ستخونك حياتك نفسها. تذكّري: الموت لا ينهي كل شيء، بل يبدأ به."

تجمدت أصابعها ، هل كتبها في مرضه ؟ أم أن ما وراء الغيب رتّب الأمر ؟ دخل ماهر الغرفة عابساً. رأى الصندوق، فابتسم ابتسامة عدائية صغيرة، وقال: " ذكرياتٌ تُرمى."، حاولت أن تخفي الورقة، لكنّ البيت كلّه بدا كأنه قرأها.

صارت الليالي ثقيلة كحجارة، كلّما اقترب ماهر منها ليمسّها، انشقّ الهواء بين جسديهما ببرودةٍ جافّة، كأنّ يداً ثالثة تضع نفسها بقسوة بين كتفها وصدره. عرفت هند تلك اللمسة؛ لم تكن تشبه ريح نافذة مفتوحة، ولا تياراً عابراً، بل تشبه حضوراً يعرف الطريق إلى جلدها.

أما ماهر، فبدأت عليه أعراض لم يعهدها: ينامُ فلا ينام، يستيقظ فجأة وهو يختنق، يتخبّط بذراعيه في الفراغ كمن يغرق في ماءٍ لا يُرى،  تصرخ هند، فتراه وقد ازرقَ وجهه للحظاتٍ وهو يتسوّل نفساً. كان أهل المدينة يسمّون هذا “الجاثوم”، لكنّ ماهر عرف المعنى الآخر: خصمٌ قديم جلس على صدره في العتمة، ولم ينهض.

في النهار، يتظاهر ماهر بالقوّة. يعنف الخدم، يلعن الأشياء الصغيرة، يغيّر مواضع المقاعد، ويطلق أحكاماً على الثياب والصور،  كأنّه يريد أن يلغي ملامح سالم من المكان. كلّ مساءٍ ينزع شيئاً من غرفة الراحل ويُلقيه في الساحة الخلفية: مصباحاً نحاسياً، ساعةً متوقّفة، سلماً خشبياً. لكنّ الأشياء كانت تعود وحدها إلى أماكنها في اليوم التالي. يظنّ أنّ هند أعادتها، لكنها لم تفعل ، وفي كل مرةٍ يعيد الكرّة تزداد العتمة كثافة كمداد يُسكب على هواء البيت.

في الأسبوع الثالث، ضاقت هند بما رأت، فقالت لماهر: " لنترك البيت أياماً. نذهب بعيداً… هذا المكان لا يريدنا." ، ضحك بغلظة متعبة وقال: " لا بيتَ لسالم بعد اليوم…" 

ثم أردف قائلاً : " البيت لي."

لكن قوله الأخير ذاك لم يخرج بصوت ماهر وحده؛ بل تردد في أرجاء الغرفة بصوتين متداخلين: صوته هو، وصوتٌ آخر أعمق، متهدج، كأنه يخرج من جوف الجدران نفسها. ارتجفت هند، إذ بدا كأن سالم ردد الجملة معه، يعلن أن البيت ما زال له… وأنه حاضر فيه.

في تلك الأيام، ضاقت هند بالبيت وأرادت أن تبيت عند أهلها طلباً لشيء من السكينة ، بقي ماهر وحده، وعاد ليلاً من عمله وهو يجرّ أقدامه المثقلة. مدّ يده إلى جيبه وأدخل المفتاح في القفل، لكن الباب أبى أن يطاوعه. أعاد المحاولة مرة واثنتين وثلاثاً، وكأن القفل تبدل أو أن البيت لفظه. ازداد ارتباكه، حتى اجتمع عليه بعض الجيران، فساعدوه على اقتحام الباب بالقوة. ما إن انفتح حتى هبت ريح باردة من الداخل.

وقف ماهر متصلّباً، يتصبب عرقاً رغم برودة الليل، فيما أدرك الحاضرون أن شيئاً في هذا البيت لا يريده أن يبقى، ومع ذلك رفع رأسه بعناد وقال بصوت متشنج: " البيت لي، ولن أبرحه." ، كان إصراره أشبه بتحد أجوف، كأنه يقاتل جدراناً تقسم أن تبتلعه.

عادت هند إلى البيت بعد ليالٍ قليلة قضتها عند أهلها علّها تستعيد شيئاً من سكينتها. لكنها ما إن دخلت العتبة حتى بدا وكأنها عادت إلى سجنٍ يرفض خلاصها. صارت تُحادث الجدران بصوت خفيض، تستأذنها في المرور كما لو كانت كائنات حيّة تتربص بها، وتسلم على الأبواب قبل أن تفتحها.

وفي إحدى الليالي، هبّت مذعورة كمن ضاق صدره بالأنفاس، فخرجت مسرعة نحو المقبرة ، جلست عند قبر سالم وقد أرهقها البكاء، وهمست بصوت متهدج: " لم أقصد أن أخونك… كنت ضعيفة… سامحني، أو خذني."

اهتزّ التراب تحتها ، وانفرج من التربة شقّاً ضئيلاً، وشعرت بكف باردة تطبِق على كاحلها لحظة ثم تنسحب. عادت إلى البيت مرتجفة، لكن الليل التالي لم يرحمها؛ سَمِعت خطوات تتقدم نحو غرفتها، وحين رفعت رأسها لمحت في الزجاج وجه سالم لثوانٍ عابرة، قبل أن يذوب في عتمة الليل.

وبعد أيام، عثر عليها الناس مسجاة فوق قبره، جسدها ممدد وعيناها مفتوحتان كأنهما شاخصتان إلى عالمٍ آخر. لم يتردد أهل القرية، بل دفنوها في القبر الملاصق له، وكأن الموت اختار أن يجمع بينهما ثانية.

أما ماهر، فلم يُطل البقاء بعدها. وجدوه في سريره ميتاً، عيناه شاخصتان إلى السقف، وفمه نصف مفتوح كمن كان يستغيث بينما خصم جثم على صدره حتى أزهق أنفاسه. أُغلق البيت بعدها، وصار الجيران يهمسون : "بيت يسكنه العهد"

ومنذ ذلك الحين، لم تفارق الناس أسئلة لم تجد إجابات :  هل بقيت هند زوجة لسالم في الدار الأخرى ؟  وهل الغفران ممكن حين تُطوى صفحة الجسد، أم أنّ بعض الخيانات تُحفر في جوهر الروح فلا يمحوها تراب ولا زمن ؟

تمت

0 تعليقات:

شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .